ميشال كيلو و«إضعاف الشعور القومي» | babelmed
ميشال كيلو و«إضعاف الشعور القومي» Print
babelmed   
  ميشال كيلو و«إضعاف الشعور القومي» | babelmed لقد ساعدنا فرج بيرقدار في كتابه الذي يصف فيه تجربته («تغريبتي في سجون المخابرات السورية»)، على أن نتصّور كيف يقضي ميشيل كيلو أيامه ولياليه هناك، في واحد من السجون التي قضى بيرقدار 41 عاماً من حياته متنقلاً بينها. نأمل طبعاً أن لا يُعرّض ميشيل لأي من المواقف التي قرأناها في الكتاب، أن يوضع في زنزانة قريبة من غرف التعذيب لئلا يقضي ليله مؤرقاً فيما هو يحاول أن يعرف الرجل الذي يعذبونه، من صراخه. كما نأمل أن لا يكون هو هناك، تحت قبضاتهم إذ لم يعد جسمه يحتمل الآن، ميشال كيلو و«إضعاف الشعور القومي» | babelmed وهو في السابعة والستين، ما كان قادراً على احتماله منذ 52 سنة، حين بلغنا من الشام أن ميشيل قد أوقف وسجن. آنذاك كنا نعلم أن التهمة الحقيقية التي كان ينبغي أن توجّه اليه هي توسيع هامش الكلام الحرّ، ورفعه إِلى درجة أعلى من تلك التي وافقت أجهزة الملاحقة والتنصت على السماح بها. فقد كان ميشيل كثير الكلام آنذاك، يقول ما تعمل الصحف على إخفائه وحجبه. أذكر انه راح يعدد لنا أسماء شوارع وأسماء بيوت وأشخاص كأنما لينقل لنا، في ذلك العشاء، ما يعرفه عن أيام الاعتقالات، موثّقاً ومؤكّداً. وربما أدركنا نحن، بعد أن انصرفنا عائدين كلّ الى بيته، انه لا بد واقع في قبضتهم. وكان هو نفسه يعرف ذلك على الأغلب، بدليل أن حدسنا قد تحقق، وبعد أيام قليلة، حدسنا نحن الذي لم يكن ليفوته، هو العارف أكثر من أي واحد فينا، الحد الذي ينتهي عنده السماح بالكلام. هذا مع أننا كان يصعب علينا أن نتخيله نزيل سجن. كان بيتياً أكثر مما ينبغي حتى لرجل يعمل في السياسة، يهتم بضيوفه على المائدة اهتمام مضيف عادي يحب العشرة والسهر. ولم يكن في هيئته ما يدفع إلى تخيله محبوساً في أي من السجون التي وصفها، لاحقاً، فرج بيرقدار. كان في هيئة أب وزوج، أو في هيئة موظف عادي... لكننا، آنذاك، لم نكن نعلم بعدُ أن الشجاعة يمكن أن تنوجد في هيئات لا تحمل الإيحاء بها، أي انها لا تظهر اعتداداً بشجاعة أصحابها. وقد التقيناه قبيل سجنه الأخير لدقائق قليلة، هنا في بيروت. في ذلك الحديث العابر بدا لنا أعقل وأكثر حكمة من معارض سياسي مهدد بالتوقيف والسجن. كان يتكلم كما لو أنه قرّر أن يورد الحقائق خالصة من الانفعال الذي تحمل على اظهاره، رافعاً هكذا شأن التفكير على شأن الانفعال. ولم يكن وحده في ذلك. الكتاب المعارضون في سوريا، أولئك الذين كنا نقرأ مقالاتهم في الصحف، كانوا هم أيضاً مهجوسين بسلامة مجتمعهم وبالخطر الذي قد يأتي به كلام الاحتجاج العنيف. وذلك كان، وما زال، مختلفاً عما درجت عليه ثقافة الاحتجاج العربية السابقة، تلك التي كانت تضع الكراهية بنداً أول في برنامج «التعبئة»، غير مدركة ان الكراهية تلك قد تقع حيث لا ينبغي لها، أقصد انها قد تقع على فئات اجتماعية أو طائفية ربما كانت، هي أيضاً، تعاني من أذى الأنظمة ومن قسوتها. كان ميشيل، ومثله مثقفو سوريا الآخرون، قد تعلموا مما يجري حول بلدهم أن المحنة الأصعب تتمثل في استعجال لحظة الانتصار وفي أن يكون الانتصار كاملاً تاماً غير آخذ بالاعتبار التركيب المعقد والمتوارث والإنتقامي والمختلف عن كل الانساق الاجتماعية التي صنفّتها علوم السياسة. بعض الكتاب في سوريا، وكان منهم من قضى ما يزيد على الخمسة عشر عاماً في السجن، كتبوا مقرين أن يشمل الاصلاح الجديد الاعتراف لحزب البعث بنصيب من التمثيل السياسي، وهذا ما لم يفطن له حتى الأميركيون في العراق، بعد أن فطن له غيرهم، في تلك الأيام الأولى لغزوهم (حيث كتب سامي زبيدة، آنذاك، محذراً، من حيث يقيم في لندن، من حل الجيش العراقي، الذي لا يكن له زبيدة الود بالطبع). وقد ذكر ميشال كيلو في مقابلة نشرت قبل سنتين في ملحق نوافذ كيف أن اللغة ينبغي لها أن تتغير تبعاً لتغير أحوالنا. قال إنه «عندما كان هناك خطر هجوم أميركي ـــ تركي على سوريا، سنة 6591، جرى توزيع 21 ألف بندقية في مدينتي (اللاذقية) التي كانت تضّم آنذاك سبعين ألف مواطن، كانوا يذهبون كل يوم، وعلى مدى أربعين يوماً، الى شاطىء البحر لحراسة مدينتهم (..) بعد ستة أشهر جمعت الدولة الأسلحة وذخيرتها، التي لم ينقص منها رصاصة واحدة (..) إذا وزعنا اليوم 21 ألف بندقية في اللاذقية، كم شخص يبقى فيها على قيد الحياة بعد ستة أشهر؟». ولا أعرف أيهما كان أسبق الى تغيير الزمن: اللغة نفسها أم البشر بوصفهم احتياطياً سياسياً، وعسكرياً، قد يجري استخدامه حين يحين وقته. كان كتاب سوريا المعارضون يفاجئوننا، نحن في لبنان، من قدرتهم على التوصل إلى لغة سياسية «عادلة»، وإن غير مساومة، في إدانة النظام وفي فضحه. لقد رأينا كيف انهم ادركوا أن الكلام السياسي بات يتطلب الدقة لا الحماسة، وإن الحذر ينبغي أن يظل مصاحباً الاندفاع وملازماً له. كما يتطلب كلام السياسة أيضاَ ادراك ان الظرف السياسي الذي هم فيه مرحلة من زمن سياسي متصل ينبغي العلم به ومعرفته هو أيضاً، هكذا على غرار ما كان يفعل ميشال كيلو حين يتكلم عن تحولات سوريا، سياسة ومجتمعاً، في حقب تاريخها الحديث. العنف المهدد لسلامة الناس ومجتمعهم، ذاك الذي يحاذر مثقفو سوريا الوقوع في خطره، ما زالت السلطة هناك تستخدمه سلاحاً. من قبيل ذلك تجريمها كل كلام لا يتفق مع صيغة الكلام الواحدة التي لم تفلح تحولات الأزمنة في تبديلها. ما زالت جملة من نوع «اضعاف الشعور القومي» قادرة على أن تكون تهمة تزج ميشيل كيلو في السجن لثلاث سنوات يخرج في نهايتها وهو في عمر السبعين. كان ميشيل قد رد على أحد المسؤولين الأمنيين، قبيل المؤتمر القطري الذي انعقد من سنتين، على دعوى القومية قائلاً: «هل علاقاتنا جيدة مع العراق؟ هل علاقاتنا جيدة مع مصر، أم مع السعودية أم مع لبنان؟». وكان يعرف ميشيل أن تعبيراً مثل «الشعور القومي» ذاك هو بعض كلام من لغة عتقت وعاشت أكثر بكثير من قدرتها على الحياة. كان يعرف أن التعبير ذاك لم يعد قابلاً للتفسير ولا للتعريف وأن حامليه لا يريدونه إلا كذلك، خالياً من أي معنى يمكن أن يُفسّر أو يُفكّر. لكنه يعرف أيضاًَ أن هذا الكلام الفاقد لأي قوة يستطيع حاملوه أن يقهروا به بشراً حقيقيين، أن يستعملوه لسياسة بلد بقضه وقضيضه، بل حتى أن يخوّنوا به أبناء بلدان أخرى. حسن داوود
keywords: