عرض عصام بوخالد في »مسرح بيروت« | babelmed
عرض عصام بوخالد في »مسرح بيروت« Print
babelmed   
 
عرض عصام بوخالد في »مسرح بيروت« | babelmed
تفتقر بيروت ، منذ منتصف التسعينات ، للحياة المسرحية. فالعروض التي تتسم بالجدية، وبالقدرة التجريبية، خلال عقد من الزمن، لا تتجاوز عدد اصابع اليدين . المسرح الطليعي الذي نشر عدواه في كل العالم العربي منذ اواسط الستينات، بات اليوم نادر الظهور..عرض واحد على الاكثر في السنة الواحدة .
على هذه الخلفية، تأتي مسرحية "مآآآرش" (Maaarch) للمخرج الشاب عصام بو خالد، كأنها اصرار على الفعل المسرحي وتأكيد على استمرار جيل جديد في رهانه على ابقاء خشبة العرض حيّة ومضاءة.
العمل الجديد هو الثاني لبو خالد بعد ان قدم "الارخبيل" (2002). ويبدو من العملين انه يحاول الوصول الى صيغة مسرحية تتصل بإرث المسرح التجريبي اللبناني، البرشتي وما بعد التشيخوفي من جهة، كما تتصل بتقنيات المسرح الفقير من جهة ثانية.
وعدا عن النبرة الاحتجاجية -اليسارية الملازمة لخطابه المسرحي، فهو ايضاً شديد الصلة بتجربة روجيه عساف المتأثرة اصلاً ب" اريان منوشكين"( مسرح الشمس).
عن "مآآآرش" التي بدأت عروضها يوم 12 شباط هذه النظرة النقدية:


في »البروشور« الذي وُزِّع علينا قبل دخولنا إلى العرض ، كانت الكلمة لروجيه عساف، كلمة »شمس«، المؤسسة التي تقوم بإنتاج ورعاية العمل المسرحي هذا وتسهر على ديمومة المكان، أي مسرح بيروت (عين المريسة).
إنها كلمة عن المسرح والحرب. والعلاقة بينهما منذ إسخيلوس الاغريقي. وروجيه عساف »الأب الروحي« لشباب مسرح بيروت، بدا أذكى من أن يحشر نفسه في خانة سبّ أميركا ومعاداتها أو الهزء من جيشها وسياساتها. كانت كلمته تذهب إلى هدف واحد يمكن القول انه ليس إدانة الحرب فحسب، بل التفكر فيها كثيمة مسرحية، كموضوع أزلي في المسرح.
عصام بوخالد، بدأ مسرحيته فوراً بالإصرار على التوضيح انه يتناول الجيش الأميركي وحربه في العراق. قدّم كل الشروح الممكنة والدلائل المتوفرة ليقنع المتفرجين أنه يتناول في عمله هذا الأميركيين تحديداً في حربهم على العراق، مستعيناً من أجل ذلك بالصور التلفزيونية، التي أقحم فيها تصويراً ومونتاجاً أفرادَ وشخوصَ مسرحيته ليبدون تلفزيونياً كما لو أنهم قطعة من قطعات ذاك الجيش الذي يخوض حرباً حقيقية
ومباشرة، في ابتداء المسرحية قدّم صيغته للجنود، أبطال مسرحيته، بوصفهم كتلة بلهاء وأجساماً غير حقيقية، ميكانيكية، تتحرّك كروبوتات معطلة الأذهان، خاوية الروح، مسرنمة. شخصيات كاريكاتورية، مسلوبة الارادة، ممسوسة. وهذا أحالنا تلقائياً إلى ذاكرة مديدة من التشخيصات العربية رسماً أو كتابة أو تمثيلاً للجندي الاسرائيلي الأحمق والمذعور والمختل والجبان... إلخ. وهذا بدا في عمل عصام بوخالد منذ لحظة المسرحية الأولى، ونحن قلنا »إذاً، هذا عمل سافر، أو تحقيري للجنود الأميركيين« وان عصام بوخالد من فور معالجته الدرامية أراد أن لا يدع لنا مجالاً للشك بـ»غباء« هؤلاء الجنود ،مفترضاً فينا جهوزيتنا للضحك والتهليل لكل ما من شأنه تتفيه هؤلاء الجنود.
إن بياناً سياسياً بهذا المعنى، منع قصداً على العمل وعلى المتفرجين أي فرصة للتأويل أو للارتقاء إلى مستوى آخر، كأن تكون مسرحية واسعة في فكرتها، كأن تكون مثلاً، كما كلمة روجيه عساف، إدانة للحرب، للعسكر، للقتل، وللسياسة. جعلها بوخالد مخنوقة بعنوان واحد: إدانة أميركا، والهزء من جيشها فحسب.
هذا العطب في العرض سرعان ما سيتوارى.
فمن أجل التعبير يتوجب نسج »خطاب«، وتأليف لغة وقول. وهنا، في المسرح، إذ لا تصلح الشعارات ولا الهتافات ولا افتتاحيات الجرائد ولا التصريحات، كان لا بد من اجتراح خطاب مسرحي. لكن كيف ذلك من دون الوقوع في الثرثرة والكلام المباشر المبتذل؟ وهنا لجأ عصام بوخالد إلى حل لم يتجاوز فيه محدودية موضوع المسرحية وقصديتها فقط ، بل تجاوز أيضاً توقعاتنا: لقد نفى اللغة نفسها، وحوّلها إلى لعثمة صوتية، وهذر وهذيان وصراخ.
هذا هو »الخطاب« الوحيد الممكن، انه القول النهائي، الذي يستطيع تأليف معنى. وعلى هذا النحو أنقذت المسرحية نفسها من حصار »المعاني« الجاهزة. وتحوّل الصوت إلى »بطل« متفرّد للمسرحية، وصار العنصر الصوتي البشري، البدائي، ما قبل اللغة، وكذلك الموسيقى هما لب العمل، وفضاؤه. بل أيضاً البعد الدرامي الأساسي، طالما غاب التمثيل وحل الأداء الايمائي.
لم يخرج بوخالد، بهذا المعنى، من السياق الكاريكاتوري، لكنه أدخل العمل في الشرط المسرحي، وشحنه بقوة تعبيرية وتشخيصية أفضت بنا إلى متعة الفرجة والإنصات. أما التلوين الموسيقي الذي أدى دور إطلاق الرصاص أو الانفجارات، بآلة العود والطبل، فبدا ذلك اللعب ضرباً من ضروب الخفة التي تولد كوميديتها من الألم، من الوجع والدمعة. فأن »تقول« الموسيقى »جملة« حربية، هذا ما يُحسب من فرادة الخيال المسرحي، وابتداع جمالي يجدد ويوسع الحلول الاخراجية والأساليب التعبيرية.
العرض، عبارة عن »مارش« عسكري مستمر من حرب إلى أخرى، قتال، موت، خوف، تعبئة، وحشية، ضعف، إجرام وبراءة، ولذا، مع مسار العرض، ننتبه إلى أننا لم نعد متأكدين من حال الجنود هؤلاء: من منهم ميت، من منهم حيّ. إنهم في الحد الفاصل والشبهة. يُقتلون حيناً، ينهضون حيناً آخر. كتلة من الأشلاء هم، أو كما تصوّرهم الأفلام السينمائية »زومبي«. وكأنهم في منام، في قلب الخوف بلا رجاء، يواجهون عدواً سرعان ما يكون صورتهم، وفجأة إذ كاميرا الفيديو الصغيرة المركبة على عربة المشلولين ذات الدواليب الكثيرة، ذات المقعد قديم الملتبس بين كرسي الحلاق وكرسي الاعدام وكرسي طبيب الأسنان وكرسي المعاق... هذه الكاميرا ستلعب دور المرايا وانعكاساتها وتخترق جدران المسرح الأربعة، ستكون وهي على المسرح ملتقطة كتلة الجنود وعارضة صورتهم في نفس الوقت على جدار المسرح في العمق، بوصفها صورة الذات والعدو. ثم محيلة الجمهور نفسه إلى صورة معروضة يتفرّج عليها الجمهور فيما الجنود يحولونه إلى عدو جديد.
الهذر واللعثمة والصراخ والكاميرا، والأداء الايمائي المعطوب جسمانياً، والصور المتداخلة كعنصر تمثيلي وكمرآة، وعدسة مكبّرة ..تحيل »مآآآرش« إلى حفلة من العبث، منتظمة بعصب إخراجي منحاز إلى الـ»غروتسك« بمفهومه الأكثر جدة.
هنا، الموت ليس مصيراً اخيراً بل يتحول حالاً مسرحية تقول القسوة والعذاب والوضع البشري الفاقد للرجاء، الموت هو المسرح والممثل ولعبة الوجود. في مشهد »قوس قزح«، الذي يجمع بين الجندية الفتاة والجندي الميت في مناجاة حب وحياة وانفجار عاطفي، يصير الشجن هو الوجه الآخر لمديح الحياة، لاستعادة الأمل، واسترداد انسانية الميت. عندما تبدأ الجندية بانتشال الجرح نفسه (قطعة قماش مدماة وغائرة)، وتسحب خيطاً من جرح آخر، كأنها تنتزع الموت والألم من الأحشاء والبدن معيدة الأنفاس إلى الجثة، على خلفية أرض خضراء، وقوس قزح، ثم مشعلة النار الخفيفة في الخيط الواصل بينها وبينه، عندها تكون المسرحية قد أنجزت ذروتها وأدخلت إلى نسق هذيانها، فاصلة تستقيم عليها شاعرية العرض.
نستطيع بسخاء امتداح الأزياء والاكسسوار، نستطيع أيضاً رفع التحية إلى وفرة الحلول الاخراجية وذكائها. نستطيع إغفال التمهيد السياسي الذي يود التنديد بأميركا وحروبها. فعلى الرغم من يسارية هذه المسرحية، يبدو أن هذه »اليسارية« ،هنا على الاقل ، عامل توليد ضروري للفن.
المسرح كان مجنوناً . الحرب كانت موسيقى . الجنود كانوا صرخة . الحياة كانت كاميرا . الجمهور كان صورة. اللعثمة في الخطاب والوضوح في الأداء. الاختلالات الطفيفة يمكن حذفها انحيازاً لعصام بوخالد ومجموعته يوسف بزي
keywords: