العصيان في وعلى بيروتى | babelmed
العصيان في وعلى بيروتى Print
babelmed   
                                      العصيان في وعلى بيروتى | babelmed سأخبركم كيف يتم تدبير «الفتنة» (أو الثورة، الانقلاب، الانتفاضة، التمرد، العصيان..)، كما خبرتها في سنوات المراهقة والطيش، المتزامنة مع سنوات الحروب في لبنان. إعتقد اللبنانيون ان الحرب انتهت في خريف عام 2891. ومع مطلع العام 3891 كان الناس قد بدأوا في الانخراط بدورة حياة عادية ومشاريع عمل وتدبير عيش وبحث عن فرص افضل لحياة مستقرة وآمنة ومدنية. وكنا نحن شبان الأحزاب والميليشيات «المنهزمة» نعيش يوميات سرية بين بطالة ووظائف هامشية ومضايقات مخابرات الدولة ومطاردات من قبل الجماعات المسلحة، والسرية، الموالية لنظام الحكم. وكان شطر كبير منا يضطر اما للهرب نحو الجنوب منضماً لحركة المقاومة ضد اسرائيل، واما نحو البقاع حيث السيطرة السورية وحلفائها. أما الذين لازموا بيروت وضواحيها فكان الغيظ والخوف والكره خبزهم اليومي، فهم كانوا أسياد المدينة يتحكمون بكل شاردة وواردة، يتحكمون بقرار الموت والحياة، بالمواقيت والأمكنة، وبرقاب الناس، وفجأة، وجدوا أنفسهم في أسفل المجتمع، عاطلين، شبه مشردين ومنبوذين.. ومجردين من أسلحتهم. ولما كان السلاح هو مهاراتهم واحترافهم ومصدر قوتهم ومعيشتهم، أحالهم السلم النسبي إلى أفراد خائبين لا نفع فيهم ولا منفعة منهم. كان توقهم إلى عودة الحرب، توقاً لفردوسهم المفقود. مع مطلع صيف 3891، وصلت إلى بيروت وضواحيها طلائع من كوادر «القيادة العامة» (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التابعة لأحمد جبريل) وخبراء المخابرات السورية و«ضباط» الميليشيات المتبقية من «الحركة الوطنية» وبدأ العمل الدؤوب من أجل لم الشمل وترميم الخلايا الحزبية، وتنظيم مجموعات الشبان، وضم الشبان الجدد وتجنيدهم، استعداداً لمعركة اسقاط النظام القائم. الاجراء الأول تمثل بدفع رواتب مالية سخية تعويضاً عن كل البطالة الممتدة من أيلول 2891 الى حزيران 3891؛ والاجراء الثاني اختيار أمكنة آمنة لمخابئ اسلحة سوف يتم تهريبها إلى داخل بيروت؛ والاجراء الثالث إعادة التدريب العسكري السري، وتوزيع بضع مسدسات كاتمة للصوت وقنابل يدوية وصفائح تي.أن.تي، وتخصيص سيارات عدة توضع في تصرف المجموعات السرية إما لنقل الأسلحة أو لجولات الاستطلاع والمراقبة أو لتنفيذ عمليات تخريب وخطف. كنا «نغلي» حقداً على الجيش اللبناني وعلى هذا الانبساط الذي يبدو عليه الناس. نتحرك في عتمة المدينة وفي باطنها، منتظرين ساعة الصفر. وكانت التعليمات واضحة: تحريض المهجرين، المجبرين على اخلاء الشقق التي يحتلونها، للاصطدام مع الدرك والجيش. أذكر تماما كيف عملت مجموعة «بطرس»، في وادي أبو جميل من أجل تطوير حادثة مدرسة «الاليانس» حين اصطدم المهجرون مع القوى الأمنية المكلفة باخلاء المدرسة من محتليها. الحجارة، براميل القمامة، العصي، الاطارات.. وفي لحظة اذ شعر الشباب بخمود همة الأهالي وتفوق القوى الأمنية، بادروا من داخل بوابة بناية باطلاق النار على شاحنة للجيش. رشق واحد، تلاه رشق آخر من زاوية شارع خلفي، واندلع الموقف. لكن ذلك ظل حادثاً موضعياً ولم ننجح في توسيعه. لكننا نجحنا في تحريض الأحزاب الموالية للسلطة وجرها إلى التحدي. كان هذا خطاهم الذي كنا نتوسله ونتمناه. بدأوا بأعمال الخطف والترهيب والاستفزاز ومحاولات القتل ورمي القنابل هنا وهناك. وسلكنا على منوالهم بتشجيع من القيادة المتمركزة في البقاع. كان المطلوب خلق مناخ من القلاقل، والخطوة الأولى حرمان بيروت من ليلها، السيطرة علي الليل بنشر الخوف والحذر وأصوات العبوات. كان النشاط الاستخباراتي في ذروته، مطاردات لا هوادة فيها، وكان قرار السلطة هو الضربة الاستباقية في أحد صباحات آب 3891. حملة مداهمات واعتقالات واسعة. والجنود نجحوا في اجبارنا على القيام برد فعل شامل كنا معوّلين به على زعزعة الجيش وانكفاء الدرك وارهاب القوات المتعددة الجنسيات، فكانت «بروفة» اولى لـ«الانتفاضة» المرجوة. ظنت السلطة انها افشلت الانتفاضة، وظنت ان ضعف تسليحنا وقلة الذخائر المتوافرة لدينا، كما قلة عددنا، نواقص لن نستطيع تعديلها وتغييرها. شعورنا بالهزيمة والخسارة، تم تعويضه سريعاً، فمنذ مطلع أيلول 3891 تم اعلامنا بقرار استراتيجي: ستكون هناك خطوة نوعية لطرد القوات المتعددة الجنسيات، ستتدفق الأسلحة بكميات هائلة وبنوعية جديدة، سيتم رفع قيمة الرواتب. والدليل على جدية القرار ان كبار القادة الميدانيين تركوا البقاع نهائياً واستقروا بيننا في بيروت، فيما المعارك تندلع في الجبل، والضاحية باتت شبة محررة، و«طريق الكرامة» صار مرسوماً عبر المسالك الوعرة من الجبل الى حي السلم، الذي بات اسمه «حي الكرامة». اكتشفنا من خلال النزهات شبه اليومية بسياراتنا ما بين الضاحية وبيروت ناقلين الاسلحة والعتاد. ان قطعات من الجيش تسهل مرورنا عبر مستديرة شاتيلا الفاصلة ما بين العاصمة وضاحيتها. هكذا يبدأ انهيار النظام، فحراسه باتوا غير موالين له. لم أكن، ككل أقراني ورفاقي، على دراية ولو واحد في المئة في معنى ان يكون المرء مواطناً، ولا في حقوق وواجبات الناس القانونية ولا في الالتزامات الدستورية ولا في فهم الأنظمة الديموقراطية. كانت ثقافتنا السياسية هي «عداوة اسرائيل» و«كره الحكومة» (وعلى الأرجح اي حكومة)، و«انكار لبنان» الهوية والدولة. لذا لم يخطر لنا ان نسأل انفسنا: هل ما نحن مقبلون عليه هو خيار الناس، اغلبيتهم؟ هل تخريب البلد واجب الزامي وخير للشعب؟ هل انتصارنا يعطي حياة افضل لنا؟ لم يخطر لنا ان نسأل. كنا مؤمنين فحسب، ذاك الايمان الذي يدفعنا حتى الموت للقتال والقتل. ولهذا لم نتردد يوم 6 شباط عام 4891 عند الساعة 03،21 تقريبا، ان «ننتفض» خارجين من مخابئنا، مندلقين دفعة واحدة في الشوارع والزواريب والساحات والاحياء مدججين بأسلحتنا، لنحتل العاصمة بلمح البصر ولن أنسى كيف كان المشهد: كيف كانت الناس تعيش حياة طبيعية من عمل وتسوق وذهاب الى المدارس وتنزه، وكيف كانت عجقة السير والأسواق التجارية المزدحمة والمطر الخفيف وأصوات الموسيقى الصادحة من السيارات والشرفات والأرصفة والعائلات والباعة الجائلين ورواد المقاهي وأفيشات السينما الباهرة بالصور والمطاعم التي بدأت تستقبل روادها وورشات البناء والمظلات التي تظلل الفتيات، وطلاب الجامعات النازلين من الحمرا الى شارع بلس أو المتوجهين الى كلية الحقوق في الصنائع. .                                     العصيان في وعلى بيروتى | babelmed لن أنسى الرعب الذي استبد بالمارة والذعر الذي انتشر كالنار في الهشيم في اللحظة الخاطفة التي ظهرنا فيها ظهور الجن من باطن الأرض ممتشقين البنادق وقواذف الآر. بي. جي. وكان يكفي أن نخرج على هذا النحو السحري لنمسك بخناق العاصمة ونقيم سلطتنا. مرت ثماني سنوات على «انتفاضة 6 شباط» المذهلة. وها نحن في 6 أيار 2991. وكنت هذه المرة مدنياً يتجوّل في المنطقة ذاتها من بيروت، بين الحمرا ورأس بيروت. زمر من الشبان الذين أعرف من ملامحهم أنهم على شبهة ميليشياوية واستخباراتية، توزع العصي والدواليب، مستعملة في تنقلاتها سيارات على شاكلة تلك التي كنا نستعملها، وحين يجدون تردداً من قبل جمهور المراهقين والصبية في مباشرة أعمال التكسير والشغب، كانوا ينزلون من السيارات ويتجهون كموجة عنيفة راكضين باتجاه محلات الصيرفة والواجهات الزجاجية للمتاجر ويبدأون التكسير والتحطيم صارخين، مهيجين، محرضين البقية على الانضمام إليهم، فتسري في الجموع روح الغضب وتتحرر الغرائز... وأول الفعل هو الصياح والصراخ على نحو هستيري، ثم تكشير الأسنان، يليها الانضمام الى الشغب، ثم تكبر العدوى لتصيب الجميع، ومع كل صوت لتحطم زجاج أو سقوط يافطة تأتي النشوة العارمة على الوجوه. وكما 6 شباط 4891، كذلك 6 أيار 2991. يهرع الناس للاختباء وتفرغ المدينة ويسيطر «المنتفضون» على العاصمة ويرتفع دخان الحرائق وتقفل الطرقات ويدب الخوف، ثم تسقط الحكومة. مضت الآن 51 سنة على «انتفاضة الدواليب» في 6 أيار 2991. وها نحن في كانون الثاني من العام 7002، ولبنان يشهد استعدادات وأعمالاً مستمرة لإسقاط الحكومة والنظام. أما الفريق الذي يريد تنفيذ ذلك، فهو نفسه، مع بعض التعديلات بالطبع. لكن العمود الفقري هو ذاته: بقايا ميليشيات قديمة، مضاف إليها ميليشيات جديدة أكثر خبرة وانضباطاً وتنظيماً. يمكن القول ان الخبرة المتحصلة من سنوات الحرب ومن سنوات السلم، ومن سيناريوات الانتفاضات السابقة، فرضت ولا شك صيغة جديدة لتدبير الفتنة. وفرضت خطوات تدريجية، أو بحسب لغة القائمين عليها، «خطوات متدحرجة»، أي كان لا بد من «بروفة» تجريبية، محسوبة بدقة، ومدروسة وتحت السيطرة. كان لا بد من التمويه، فلا يتم الاعلان عن محتوى التحرّك، أي اعتماد الصيغة التآمرية. يعلنون الاضراب العام، المدني، السلمي الذي يجيزه القانون، لكن التدبير يكون غير ذلك، أي الاستيلاء، على الطرقات، إشعال الحرائق، بث الذعر والترهيب، إجبار الناس على البقاء في المنازل، منع التنقل، زعزعة المؤسسة العسكرية والقوى الأمنية، أي الوصول الى مفاعيل 6 شباط 4891 من دون الاضطرار لاستعمال السلاح، بأساليب 6 أيار 2991. هذا المزيج الفتاك، هو ما ظهر يوم الثلاثاء الماضي. خطة بديعة ومذهلة لا شك في ذكاء واضعيها ومنفذيها. ما قام به المتمردون، المعارضون، يدل على استيعابهم لدروس تاريخية ولتجارب ماضية خير استيعاب. عدا درس واحد، هو ما تبدل في مزاج اللبنانيين ونوازعهم عموماً. لقد كان ذلك خطأ استراتيجياً، إذا صح التعبير. لم ينتبهوا تماماً للتحوّل الذي أصاب الشطر الأعظم من المواطنين منذ شباط 5002. الذين ما عادوا يميلون الى رد فعل استسلامي سلبي، وما عادوا يقبلون نوعاً ما بصفة «الأغلبية الصامتة». لم عد الصمت سيدهم. لا جدال بتجذر الطائفية والمذهبية عند الجميع، وهذا كان له دور بعدم قدرة «الانتفاضة» على الانتصار. وقد يكون له دور خطر في الاستعداد لمواجهات أسوأ لربما تطيح بالكيان وتعيد السؤال حول إمكانية بقاء لبنان الدولة. لكن أيضاً، لا جدال في أن «النظام» يظهر قوة استثنائية بالمقارنة مع ضعفه التاريخي وهشاشته إزاء أي اضطراب، هذه القوة المستجدة ربما استمدت زخمها من الاستعداد الايجابي لكتلة واسعة من المواطنين المدنيين للرد على التحدي وللدفاع عن خيار الدولة. ربما كان سهو «المعارضة» عن هذا الدرس، ما جنبنا الأسوأ. وربما كان الأمل الأخير يكمن في ازدياد مناعة هذا النظام وحصانته مع انتصاره ومواطنيه «أخلاقياً» على نحو فاد يوسف بزي
keywords: