عن أرض الجنوب اللبناني | babelmed
عن أرض الجنوب اللبناني Print
babelmed   
   عن أرض الجنوب اللبناني | babelmed «من تحت الأنقاض صرختنا الموت لإسرائيل». تلك يافطة زرع مثلها حزب الله أرض الجنوب وطرقاته وساحات قراه ومداخلها. يمكننا تخيل ما تقوله اليافطة حرفياً: الجنوب وأهله تحت الأنقاض، موتى وجرحى ومنكوبين، تغلفهم صرخة «الموت لاسرائيل». على هذا النحو، يمكن تصوّر النصر الذي أعلنه حزب الله، بوصفه غلبة إرادة و«ممانعة» حتى الموت، واستواء البيوت على الأرض، وهجران القرى، وخلاء المدن والبلدات، وسيادة الخراب. نصر لا نشاهده عياناً، انه في حسابات عسكرية لا نفقه مادتها ودلائلها. وربما من أجل ذلك كان على حزب الله أن يسارع، فور إعلان الهدنة، الى جهد هائل وبسرعة قياسية، ليغطي الجنوب كله باليافطات الصغيرة والكبيرة وبآرمات ولوحات إعلانية صفراء وأقواس نصر تقول للعامة وللسكان وللعابرين ان النصر قد تحقق. من فور الخروج من بيروت، ما ان نأخذ أوتوستراد طريق المطار، جنوب العاصمة، وحتى الشريط الحدودي، أي على امتداد مئات الكيلومترات، نشهد تكراراً وإلحاحاً عظيمين لإعلان النصر. وطالما أن ما يدل على النصر ليس مرئياً، كان لا بد ان «نكتبه». وما أن يصبح حقيقة لغوية، شديدة التكرار والترداد، حتى يتحول الى واقعة محققة. وكي لا يبدو الاعلان عن النصر شديد التناقض مع حال النكبة التي ألمت بالبشر والحجر والزرع، فإن الإعلان عنه يأخذ صيغة صوفية، دينية، وشاعرية على نحو ما تقوله «من تحت الانقاض صرختنا الموت لإسرائيل» أو تلك اليافطة التي تقول «سيبقى دمنا الأقوى». جملتان لا تأخذان الى تأويل سياسي أو إقتصادي أو عسكري، إنهما من معجم السحر والبلاغة، مما لا يفقهه الصحافي الأجنبي الذي وقف ليصور اللوحة الاعلانية الصفراء المكتوبة بالانكليزية (our blood has won). كيفما اتجهت انظارنا وكيفما كانت وجهتنا في الجنوب اللبناني، نرى هذا الانتشار الهائل للاعلانات، التي على مثال «لبنان الجميل هزم اسرائيل»، اعلانات من كل صنف وحجم، لا بد ان آلافاً قد صنعوها ووزعوها ورفعوها في أيام قليلة تلت الهدنة. لا بد أن جهازاً ضخماً من فنانين وحرفيين وعمال، يؤازرهم جهاز مالي ممتاز وجهاز لوجستي شديد الكفاءة، وكوادر من مثقفين وكتبة وموظفين وأنصار كثيرين.. كلهم قد تجندوا في وقت قياسي، وبأوامر عليا وخطة منسقة جيداً، حتى يستطيعوا أن ينجزوا هذه الحملة البارعة في تعميم كل تلك الاعلانات واليافطات، التي تجاري وتنافس ما عممته اسرائيل من مشاهد خراب. بهذا المعنى، صنع حزب الله مشهداً أصفر اللون يغطي البلدات والمدن والقرى والطرق والأعمدة الكهربائية والجسور وسطوح المنازل والساحات، وبقوة وأثر يضاهيان قوة مشهد الدمار العميم. وهكذا تكافأ إعلان النصر كحقيقة إعلامية ولغوية مع مادة الدمار ومشهد الكارثة. أنه أيضاً، إنتصار في حقل العلاقات العامة. وذلك ما يستدعي مجدداً الحيرة في علاقة احزاب وحركات دينية وأصولية بأدوات الحداثة وصورها وتقنياتها، بوصفها علاقة حميمة وناجحة، على الرغم من ان مضمون خطاب هذه الحركات يناوئ بتطرف كل ما تتضمنه الحداثة من مفاهيم وقيم. لقد عمد حزب الله من فور انتهاء المعركة الى تجديد حضوره هنا، من جنوب بيروت مباشرة وحتى اطراف الناقورة عند الحدود. فبعد مشهد القوافل الهاربة من أتون المعارك، الرافعة الرايات البيضاء وهي متجهة شمالاً هرباً من القصف، ها هي تعود أيضاً بقوافل نحو أرض الجنوب رافعة أعلام حزب الله الصفراء. عودة حماسية وقياسية السرعة تكافئ بقوتها وزخمها مشهد النزوح الكئيب، وتحاول تجاوزه ونسيانه. أجبرتنا الطرق المخسوفة والجسور المهدومة أن نسلك الطريق البحرية القديمة ما بين بيروت وصيدا. طريق كنا هجرناها منذ أن أنشئت الطريق الدولية الواسعة. وها هو حدث واحد، بحجم حرب، قد أعادنا الى زمن ما قبل الاوتوسترادات والجسور المعلقة والمواصلات الأنيقة. عدنا في الزمن، وعدنا أيضاً في الجغرافيا الى أمكنة ما قبل عهد الإعمار. فنحن السالكين خط الناعمة، الدامور، السعديات، الجية، القديم والمهجور، كنا إذ ننظر الى هذا الخلاء الذي يتراكم فيه الإهمال والهجران وطبقات من خرائب الحروب السابقة والمتوالية، شعرنا وكأننا نسير كالمعتاد في سنوات أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، فنمر بالقرب من قصر شمعون الذي هجر منذ حرب السنتين 1975-1976، وبالقرب من اطلال السعديات والشواطئ المنسية والأراضي البور الموحشة وخرائب وادي الزينة وبيوت الجية المتروكة كما هي، اطلالاً مدمرة ومعتمة، تماماً كما كنا نراها في منتصف الثمانينات بعد التهجير الكبير. هكذا كأننا قفزنا للتو في الزمن، مستأنفين حقبات من الويلات، ظننا اننا بعيدون عنها خمس عشرة سنة على الأقل. كأن زمننا هو عود على بدء أبدي، كأنه حزمة من أحداث ومصائب وهدنات، تعود وتتكرر دائماً. فها نحن إذ نرى خزانات الوقود في الجية وقد استحالت كتلاً من حديد أسود متفحم ومشوه كوحش معدني ميت، لانراه كحدث مباغت ومستجد ومدهش. اننا فحسب نشاهده من الذاكرة مثلما نبصره في هذه اللحظة. فاحتراق وانبعاج وتكوم هذه الخزانات المحروقة هو نفسه كما عرفناه في عام 1978 وعام 1982 وعام 1985 وفي مرات عدة بعد ذلك. لم نستطع أن نقاوم شعورنا بأن عمراً امتد 51 عاماً قد تم حذفه في لحظة واحدة، أو تمت إزاحته الى الوهم الخالص. وكنا نعرف إذ نلتفت نحو البحر الملوث بسواد النفط المتسرّب كعجينة هائلة من السم الذي يغطي الصخور والرمال، أن كل الشواطئ والمجمعات السياحية قد استحالت بائسة، متروكة، خالية وقذرة، هي التي كانت قبل شهر واحد مقصداً لحياة صيفية ولسياحة مزدهرة تحت سماء زرقاء ساطعة. وما حلّ هنا، هكذا بانقلاب درامي من حال الدعة والبهجة الى حال الكارثة، لا تقل قسوته عن ما نراه، إذ نلتفت صوب الجسور والأوتوسترادات التي تم تدميرها وتخريبها بشكل منهجي وباصرار لئيم. على الطريق الساحلي القديم، لم نحتج ان نسمع تقرير الأمم المتحدة الذي يعلن ان الحرب الأخيرة قد أعادت لبنان اقتصاداً وعمراناً 51 عاماً بالتمام. ذلك لأننا كنا في الزمان والمكان قد عدنا الى هناك. وحتى في صيدا، في ساحة النجمة، كان الانقلاب الزمني مستبداً، فتلك الفوضى من السيارات والغبار وازدحام اللافتات واليافطات الحربية اللهجة التي غطت الحديقة الصغيرة، والأسواق المرتجلة، المندلقة على الأرصفة، وشبهة عجقة الناس على صورة المهجرين والنازحين ووجوه التعب وارتباكات الحركة التي تشي بالضياع والحيرة.. ما يوحي كله اننا هنا في صيدا الثمانينات والحرب القديمة وقد استأنفت زمنها مجدداً من غير تغيير. وربما بدت علامات العيش واكسسوارات الحياة وعلاماتها لسنوات ما بعد العام 2000 كأنها هشة وطارئة، وكان يكفي شهر واحد من الحرب لكي يزاح الراهن ويحل الماضي دفعة واحدة. يبدأ الدمار الجديد، الدمار الذي لا يشبه ما قبله عند جسر الزهراني الضخم. ذلك ان المكان جديد كلياً، والباطون لم يفقد حداثته ومعالم هندسته ماثلة بأعمدته الضخمة. أنه علامة أكيدة على الحرب الجديدة الطازجة، التي لم يخمد بعد غبارها الكثيف العابق. والناس العالقون في الاختناق المروري عنده يتمهلون ساهين في التحديق الى ما جلبته الحرب الى تلك المفخرة العمرانية، نظرات من حسرة وصدمة وارتياع. لكن ايضاً وعلى طول الطريق، حيث الجسور الأخرى، كان «إلتهام» حديد الجسور قد بدأ. شاحنات صغيرة وعمال انقضوا على البقايا المعدنية والأعمدة المهشمة، مستعجلين الاستحواذ على الخردة، فيما ورش أخرى رسمية وأهلية منشغلة بازالة الركام وتنظيف الطرق وفتح المسارب. جسر القاسمية الجديد، المعدني والموقت، وضعه الجيش بديلاً من المدمّر. هو نفسه الجسر الذي وضعه الجيش طويلاً في زمن الحروب السابقة. وهم انفسهم باعة المرطبات والمياه الباردة الواقفون على ضفاف الطريق. هكذا نخمن، ان هذا ليس «مشواراً»، كما كان الناس يفعلون في العطل الأسبوعية وأيام الفرصة الصيفية. انه مسير بمقاصد أخرى. فايقاع السير وعلائم وجوه الركاب وحتى مظهر السيارات نفسها المغبرة التي أصباها شيء من الأعطاب، وما تحمله في صندوقها الخلفي وعلى سطوحها من أغراض ومتاع وبعض الرايات الصفراء، ما يدل على مسير مضطرب من رواح وذهاب اضطرايين وقسريين، تماماً على نحو ما عهدنا في أزمان النكبات القديمة وأحوالها. ما يدل على العام 2006 هو ذلك الاتساع العمراني العشوائي الذي استشرى في العقدين الأخيرين، ثم ذاك الانتشار الهائل لأعلام حزب الله ويافطاته التي تقول «وأتى النصر المبين». ناس القرى، مستعجلون في إصلاح ما تبقى لهم من بيوت، مستعجلون في فتح دكاكينهم وفي تكنيس مصاطب منازلهم المطلة على الطريق. مدينة صوْر بدت ورشة عشوائية مرتجلة، وبكثير من فوضى الشاحنات العسكرية وتلك المحملة بالمساعدات. فيما المدينة نفسها، رغم كثرة الناس، بدت وكأنها فقدت سكانها، أو استبدلتهم بعابرين ومستجدين. طالما ان الحياة لا تجري كما كانت عند الكورنيش وعلى الشواطئ، بل هي هناك على الطرقات المتجهة الى القرى فحسب. وفي أمكنة القصف والحرائق، كان أهل تلك الأحياء منهكمين في انتشال ما يدل على حياتهم السابقة، أو منشغلين بحمل مواد الإغاثة حيث تكدست أمام دكان كبير يطل على بحر لا مراكب صيد فيه ولا رواد. على طول الطريق من صور الى البرج الشمالي والبازورية ووادي جيلو وجويا وحتى الشهابية، توزع القصف والخراب على محطات الوقود وعلى منازل متفرقة، يطل أغلبها على الشارع العام. وبالطبع، المزيد والمزيد من الرايات واليافطات، والمزيد من رائحة البارود والعائلات الواجمة، والشبان الجالسون على الحواف الواطئة يحملقون بالمارين، من غير تعبير أو انفعال. كما لو أن تعباً حط على السطوح وعلى الوجوه فجعلها على غير سويتها، غامضة وشاحبة. يبدأ الرعب من تبنين. اننا إزاء «شظايا» قرى، وأشلاء بيوت، وبقايا اسفلت. بشر على هيئة الدائخين. في الدكان الذي توقفنا عنده، ما من رجل حليق بين المجموعة المسترخية عند بابه. التحية التي ردوها طلعت من حناجرهم كالسعال المكتوم، وهم يحملقون مرهقين بالساحة الخربة، قرب المستشفى الحكومي. الدكان بدا في وضح النهار كقبو معتم رغم نوافذه المفتوحة على ضوء الشمس. اغراض الدكان بدت عتيقة وقليلة وكأنها فتحت للتو بعد إقفال دام دهراً. وكان باستطاعتنا التمييز بين الذين بقوا في تبنين والذين عادوا منذ أيام. النازحون العائدون كانوا يتمتعون بشيء من الثقة وهم يرفعون شارات النصر والبيارق الحزبية ويحملون فرش الأسفنج وكرتونات الإغاثة، فيما بدا الذين بقوا أيام الحرب، على شيء من الأسى والحزن، يرمقون العائدين بنظرات حائرة. فيما هيئات حزب الله المدنية تشغّل الجرافات وترفع الصور وتفتح مكاتب تسجيل اسماء المتضررين بهمّة وحماسة. في الساحة، احتشد الدرك وعناصر الجيش وتكاثرت سيارات الاسعاف الجديدة، فيما بدا ان القاذورات المتكاثرة على طول طرق البلدة جزء من الركام الذي ينتظر ان يُزال. وها هي صُور الشهداء القديمة، تبدو هكذا قديمة إزاء الصور الجديدة والرايات واللوحات الاعلانية التي تصرح «سيبقى دمنا الأقوى» وتعلن النصر، فتنشأ من هذا كله سماء بلدة تبنين محتشدة باللون الأصفر وبوجوه الشهداء المتشابهة في تعابيرها ونظراتها الى حد يثير القشعريرة. انها سيادة الموتى، وأشباح الموت، وصنائع الموت، مسيطرة فوق البلدة الخاوية من نصف سكانها والمدمرة عشرات البيوت فيها. دراجة نارية مرمدة، وحدها في هذا الخلاء الذي يفصل تبنين عن بيت ياحون. يمكننا تخيل ما حدث في هذه الحرب برمتها، هنا، مع هذه الدراجة الصغيرة وراكبها. أرض خلاء بلا بشر وطائرة حربية ودراجة نارية مطاردة بالصواريخ. في المكان المعزول والفارغ، حيث تمتد الحقول والروابي، كانت الدراجة المقصوفة على جنب الطريق. هذا الدمار الضئيل والمنفرد يطبع كل سعة الأرض بقوة فاجعة، ومفاجئة. فمشهد الخرائب المتكرر بين القرى وعلى طول الطريق يفقد بتكراريته زخم الصدمة التي يولدها. لكن تلك الدراجة، المعزولة، بدت كضحية وحيدة في هذا المنظر الطبيعي الوادع والمترامي. بيت ياحون، كفردونين، حيث يمكننا سماع صوت الهواء الذي يلاطم الأودية والتلال وما بين البيوت المحروقة والرازحة على الأرض. عصف مخيف مرّ من هنا وصوت الهواء بدا رجع صدى له وكأنه تهديد خفي ما زال قائماً. فيما الرجل الوحيد الذي أبصرناه يقف على حافة جرف يحاول تشغيل هاتفه النقال من دون جدوى. كأنه آخر الأحياء هنا وسط العمران المندلق على الأرض كمعدة مبقورة. وعند بركة كفر دونين كانت الماعز شاردة فيما المرأة العجوز الحاملة دلو اللبن منهكة تحت شمس الظهيرة تصعد نحو كتلة من البيوت المهدمة كلياً: «أين منزلك يا حاجة؟» هزت بكتفيها محتارة كيف تدلنا على غرفة باقية بين الخرائب. عند مدخل بنت جبيل تتجدد الصدمة التي ظننا انها فقدت قوتها بعد مرورنا بالكثير من مشاهد الحرب والقصف. أمام المستشفى كان الجمع مهموماً ومشغولاً بأحواله وأحوال مصابيه ومرضاه، وسرعان ما لجمنا أنفسنا عن سؤالهم، طالما اننا رأينا تلك العائلة «السعيدة» الراكبة واحدة من تلك السيارات الكبيرة ذات الدفع الرباعي، ورب العائلة بكامل قيافته يقود مبتسماً، فيما زوجته بأناقة شديدة تجلس بالقرب منه، بحجابها الكثير الألوان، الحريري القماش، وأولادهما الثلاثة جالسون في الخلف يلوحون برايات حزب الله، وواحد منهم يحمل كاميرا فيديو يصوّر كل ما حوله. عائلة سعيدة بالنصر، وها هي تقوم بجولة سياحية في أرض النصر، فيما أهل تلك الأرض وهذه الناحية يرمقون السيارة الكبيرة وركابها بذهول واستعجاب. لا شيء في بنت جبيل سوى الغبار والذباب والرائحة الكريهة. لا شيء سوى اليباب العميم. حارة آل جمعة بزواريبها وأزقتها الملتوية الضيقة، استحالت رماداً، وقد انتž  عن أرض الجنوب اللبناني | babelmed  عن أرض الجنوب اللبناني | babelmed يوسف بزي
keywords: