الشاعر الراحل محمد الماغوط | babelmed
الشاعر الراحل محمد الماغوط Print
babelmed   
  الشاعر الراحل محمد الماغوط | babelmed كملك مخلوع في إقامة جبرية، ينزل الشاعر محمد الماغوط حبيس شقته في قلب دمشق. نذهب إليه لنلقاه (وبصحبتي الشاعر العراقي محمد مظلوم). كان مستلقياً على كنبته رائقاً، ودوداً، وقد وضع امامه كأساً، هو مزيج غريب من النبيذ والويسكي والجين. »كوكتيل« كحولي داكن وحارق، وعلى جنبه وضع كرتونة من علب التبغ الفرنسي، فيما السجائر لا تنطفئ في فم الشاعر العجوز، الذي لم يخسر نظرته الضارية ولا نبضه القوي.
وعلى الرغم من تعبه الجسدي بدا الماغوط متخلصاً من التذمر، هادئاً. وايضاً على الرغم من جسمه المتثاقل بعبء الحياة الاستثنائية التي عاشها بصخب وتمرد، بدا متصالحاً أخيراً مع الزمن ومع شيخوخته لطيفاً، مسالماً... من غير أن يتخلى، على ما يبدو، عن روحه المشاكسة وعقله الوقّاد وعبارته الوثابة اللامعة واللاذعة. ما زال هو ذاته محمد الماغوط الشاعر الجريح والجارح، الصادم البريء، المتحدي والخائف والذي يقايض »كل نجوم الشرق مقابل عود ثقاب«.
ما زال هو نفسه بقلب عصفور وجناحي نسر؛ مخلوقاً خرافياً ملعوناً. وكما يقول هو: »هناك لعنة اسمها الماغوط«.

الساحر، سجين منزله، معتّق، منهك ومتبرم. بخيال طليق ولغة حرة، وبعد 12 عاماً على لقائي الأخير به، أعود اليه لا لأسأله أو أحاوره، بل لمصافحة كلماته التي لا تزال »تشرقط« و»تكهرب« كبرق اسطوري.
نطرق بابه وندخل: في زاوية المدخل وضع الماغوط تمثالاً رأسياً لنفسه: »اهداني اياه النحات فايز نهري«. الجدران كلها مزينة باللوحات الكثيرة ومنها عدد لا بأس به من البورتريات الذاتية مهداة من اصدقائه الرسامين. أما في غرفة مكتبه الصغيرة التي وحدها لها نافذة واسعة تطل على زاروب مشمس فلفتتنا على الجدران المحاذي لطاولة المكتب صور المغنين والمغنيات القديمين منهم والجدد: اسمهان، شادية، واصالة، صباح وفيروز، وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، وفريد الاطرش.. الخ. فيما رأينا رسماً لعنترة على الطاولة، اما عن الأدباء فلا صورة الا لألبير كامو الفرنسي: »يعجنبي صفاؤه« ، بّرر الماغوط، وصورة أخرى للشاعر الراحل كمال خير بك »صديقي الأعز على قلبي« يقول. ومنذ ان تخلص من ادمانه على الكحول وضع في الصالون باراً صغيراً مليئاً بالزجاجات والمشروبات. »لكي يبقى في الجو«، يوضح ابن اخته محمد قائلاً، تلميذ الطب الذي يساكنه ويعتني به، مضيفاً »يحب أن يجعل زواره يشربون الكؤوس.. هكذا حتى لا يفقد المناخ الذي اعتاده«.
نجلس مع الماغوط الذي، بسبب ضعف رجليه، لم يفارق كنبته:
[ هل تعمل ؟ سمعنا انك منهمك في الكتابة هذه الأيام؟
ـــ أنجزت مسرحية »المقص«، واعمل على مسلسل »حكايا الليل والنهار« وهو استكمال لمسلسل »حكايا الليل« اعطي الفكرة لكتّاب السيناريو في التلفزيون السوري وهم ينجزونها. وكذلك كتبت مسرحية بعنوان »قيام، جلوس، سكوت« وهي الآن بعهدة المخرج زهير عبد الكريم، كما اكتب اسبوعيا مقالة في جريدة »تشرين« وسيصدر لي كتاب شعري، »شرق عدن، غرب الله« (ننشر في »نوافذ« نصوصاً منه).
[ لا يبدو عليك الحزن، انك بمراج جيد؟
ــ حزني يبدأ مع الليل، لا اعرف النوم الجيد، وكل أوقاتي متداخلة.
الحب والكراهية والوفاء والأكل والشراب والحقد والكآبة كلها مختلطة مع بعضها البعض واعيشها دفعة واحدة، لكنني في حال جيدة وطبيبي محمد ابن اختي معي.
[ على الأقل، الآن انت افضل مما كنت عليه، في السنوات القليلة الماضية؟
ـــ مررت بمرحلة انتحارية، لقد »نصبوا« علي بمبلغ مليوني ليرة سورية، أدمنت على الكحول، أشرب في اليوم ثلاث زجاجات ويصيبني الغثيان وأقع... وأضيّع الأمكنة. اظن اني في المطبخ وأكون في الصالون، اظن اني في غرفة النوم واكون في الحمام، كان وضعي آنذاك سيئاً. نعم أنا الآن أحسن حالاً.
[ هل تنظر الى الوراء؟
ـــ اعطاني الله من الكرامة والشهرة اكثر مما استحق. انا سعيد من كثرة حب الناس لي. هذا الحب مسؤولية ولا يجوز لي ان اخطئ.
[ نعم، أقصد هل تفكر بالماضي؟
ـــ انظر، أنا لست مثقفاً، ولا املك شهادات ولا أجيد لغات أجنبية. لكن يأتي مثلاً رئيس اكاديمية الدراسات الشرقية في سيدني باستراليا، وهو يهودي، ويقول إني اهم الشعراء في العالم وأكثرهم موهبة عبر العصور.
صحافيون وباحثون يأتونني باستمرار ويزورونني دوماً وينجزون الدراسات عن كتاباتي. ماذا أريد اكثر من ذلك؟
أنا محمد الماغوط لا أمالق ولا أنافق.
[ هل تتابع مجريات الأحداث؟
ـــ »سيظبط العراق«. أهم شيء انه ما عاد هناك حاكم يظن نفسه الله. وما من طاغية الآن في المنطقة يظن انه فرعون.
[ تبدو فرحاً؟
ـــ ما من شاعر يفرح (يصمت الماغوط قليلاً ثم يعلن) انسوا فيتنام.
[ انت تماماً تعايش الحاضر؟
ـــ أنا ابن هذه اللحظة وابن لحظة الحجاج في آن واحد. (يتنهد ويستأنف) العرب لن يعرفوا طعم الحرية من دون الديموقراطية وأسوأ ديموقراطية أفضل من أحسن ديكتاتور.
[ بصراحة، لم تجبني بعد عن سؤالي حول سيرتك. ماضيك؟
ـــ لم أندم على حرف كتبته، محمود درويش والبياتي وادونيس والشعراء الآخرون كلهم ندموا على بداياتهم، ما عداي، واقول لك اني احب السياب من بينهم جميعاً، ولا زلت أتحسر على تلك الحادثة: قبل وفاته مر عليّ وترك عندي قصيدة رائعة وطويلة عن عبد الكريم قاسم، بعد الانقلاب عليه ومقتله خفت فمزقتها، فضاعت الى الأبد.
[ يبدو ان علاقتك بالشعراء باتت أكثر تسامحاً؟
ـــ انا اسأت لأدونيس مدة طويلة، كان رياض الريس وزياد بابيل في مجلة »المنار« يشرّبونني الويسكي ويحرّضونني عليه. وفي الفترة الأخيرة رفضت المساهمة في مشروع »كتاب في جريدة« بسبب أدونيس.
بعد وعكتي الصحية، وبلهفةخالصة، اتصل بي أدونيس هاتفياً وحادثني بدفء، ثم مر عليّ وزارني. جلسنا وشربنا سوية وتحدثنا عن الغيوم العابرة، أدونيس كريم وخيّر.
[ علاقتك بشعرك انت؟
ـــ حتى الآن يفاجئني شعري الذي كتبته.
[ هل تذهب إلى مسقط رأسك في السلمية؟
ـــ لم أزر السلمية منذ 12 سنة، ومع انني أرمّم منزلي هناك إلا أنني لا اطيق مغادرة دمشق. هنا الناس تحبني. كنت أمشي في الشارع فيقترب مني البعض ويقبّلون يدي، ومنهم صبايا محجبات، لقد وصلت إلى كل الناس، اكان ذلك عبر المسرح أو التلفزيون أو الشعر أو المقالة. ولدي الآن اصدقاء يزورونني باستمرار: الياس مسوح، والياس فاضل والسيدة فاطمة نظامي وجوزف حرب ونذير نبعة وزكريا تامر.
[ هل تشتاق للبنان؟
ـــ أقول للبنانيين: ايها اللبنانيون الطائفيون أو العلمانيون أو الماديون أو الروحانيون... تمسكوا بـ»شقفة«الحرية، تمسكوا بكعب حذاء الحرية الباقي لكم فهو خشبة خلاصنا. تمسكوا بما بين ايديكم من اطلال الحرية العربية. الحرية تؤخذ ولا تُعطى.
[ هذا الكأس امامك لونه غريب؟
ـــ كأسي نبيذ مع بعض الويسكي والقليل من الجين.
[ الراديو يظل إلى جانبك؟
ـــ اسمع باستمرار اذاعة لندن وأغاني فيروز.
[ يزورك الكثير من الصحافيين؟
ـــ لا أتكلم ببلاش ولا اسكت ببلاش
[ أحوالك المادية؟ هل انت مرتاح؟
ـــ لديّ معاش مدى الحياة من الرئيس الدكتور بشار ومكافآت مالية مقابل مقالاتي الصحافية.
[ لديك وقت كثير للكتابة؟
ـــ انا خراب. وعندما اكتب شيئاً جديداً أعيش.
[ تتكلم مرة أخرى بكآبة؟
ــ لقد اقترب المساء.
[ ما هي أحلامك؟
ــ لا أحلام لدي.
[ اقصد مناماتك؟
ـــ لا أتذكرها. لدي كابوس يتكرر باستمرار: أجد نفسي تائهاً، وقد أضعت عنوان منزلي وأتجول خائفاً افتش عنه، وغالباً ما يكون المكان هو بيروت... ادور في الشوارع: شرطة ورجال أمن ورجال دين وكلاب يطاردونني، فأستيقظ مذعوراً، منقطع الانفاس.
[ لماذا هذا الكابوس؟
ـــ هناك لعنة الماغوط.
[ هل تتابع الشعراء الجدد، أيأتون اليك؟
ـــ انا لا أقدم نصائح. الموهبة تظهر وحدها. أفضّل الشعر الرديء الصادق على الشعر المتقن المزيف.
[ أنت لا تقوى على المشي. وربما تفتقد مشوارك اليومي من منزلك الى مقهى ابو شفيق أو إلى كافتيريا برازيليا في فندق الشام؟
ـــ عندي عكاز في خيال رأسي، بصحبته أتجول في دمشق. احياناً يساعدونني على النزول إلى السيارة ويأخذونني في نزهة.
[ وكيف ترى دمشق الآن؟
ـــ انها تتغير إلى الأسوأ.
[ قلت منذ مدة انك ولدت مذعوراً وستموت مذعوراً، لماذا؟
ـــ بين نسر خائف وفأر مطمئن، كنت طوال حياتي اختار ان اكون ذاك النسر.
[ أوضح الماغوط انه يحبذ ان نوقف الأسئلة. اشعل سيجارته ونظر الينا قائلاً: »اهلاً«. كان التعب قد حل مع الكآبة المسائية. فغادرنا بيت الشاعر عائدين الى قصائده.
يوسف بزي
keywords: