عرض »مَنْ يخاف التمثيل؟« لربيع مروة | babelmed
عرض »مَنْ يخاف التمثيل؟« لربيع مروة Print
babelmed   
  عرض »مَنْ يخاف التمثيل؟« لربيع مروة | babelmed منذ بيانه عام ،1997 الذي أعلن فيه ربي مروةافتراقه عن مسرح الحكواتي (روجيه عساف) وقطيعته مع المسرح »الحداثوي«، بعدأت أعماله كمسرح مضاد، أو ضد مسرحي، تتوالى كضربات قاتلة للمنصة المسرحية، منفتحاً بلا ضفاف على عروض تتقصد تمويه هويتها، وتتعمد اللاتصنيف الفني، مخترقاً حتى النسق الذي رسا عليه »المسرح التجريبي«، المتحول في العقد الأخير الى بديهيات وتقاليد وسلطة.
باتت أعمال مروة، بعد تجارب نظرية وثقافية، ورحلة في فنون الفيديو والتجهيز والتصوير وخبرة في العمل التلفزيوني التقني، مكرّسة للمسرح... لكن تحت عنوان »استحالة المسرح« أو »المسرح بعد موته« أو »ما بعد المسرح« (وكلها تسميات تسبب القشعريرة، وقد ينكرها مروة نفسه). إنها أعمال تشكل التقاء لتقنيات وأشكال تعبير واقتراحات فنية، كما لو أنها اجتماع افتراضي ليس للفنون المتباعدة فحسب، بل لأدواتها كلها. وهذا إذ يتم فليس من أجل تظهيرها بل طلباً لـ»تشبيحها«، فكل أداة تقنية وكل شكل فني وكل اقتراح تعبيري يصبح معرّضاً للخيانة.
الأهم في لعبة ربيع مروة لا يكمن في فعل »التجاور« العريض للأساليب والتقنيات، بل يكمن في اقصاء الشرط الدرامي للعرض، بهذا المعنى تتحوّل المنصة (وحتى القاعة كلها) الى ورشة للاختبار واستفزازاً للحدود. إنه امتحان قاس لقدرة »المسرح« على الاحتمال. كأن يتحول العرض كله الى شبهة المحاضرة، كما في عمله السابق »البحث عن موظف مفقود«. أو أن يصير الجمهور والعرض معاً تجهيزاً فنياً حياً، أو أن العرض نفسه ليس ناجزاً وليس للمشاهدة، بقدر ما هو مادة للتصوير أو هو نص للتدوين.
إننا ازاء »تحرير« الدراما من »التجسيد«. ولذا يأتي سؤاله الجديد »من يخاف التمثيل؟« كعنوان لعمله الجديد الذي عرض ضمن مهرجان »أشغال داخلية 3« في »مسرح المدينة« ببيروت.
عنوان العرض يوقفنا عند التباس معنى »التمثيل«: فنحن نقول: فنان يمثل دوراً، أو نقول: مجرم يمثل بجثة، أو نقول: سياسي يمثل جماعة.
ومن هذا الالتباس اللغوي المخيف، تبدأ اشكالية العرض، الذي لم يتوانَ منذ جملته الأولى عن الإمعان في هذا الالتباس حتى النهاية.
على المنصة طاولة وكرسي وكتاب. وإذ يخرج ربيع مروة و»شريكته« لينا صانع على خشبة المسرح، ينزلان شاشة بيضاء محددين بؤرة العرض بها إلغاءَ للمنصة نفسها، بحيث يتم إيهامنا بأن الطاولة والكرسي والكتاب، هي ليست ديكوراً مسرحياً وإنها بالتالي خارج المكان الافتراضي للعرض. إنها مجرّد ملاذ أو هي غرفة المخرج المراقب الذي يدير العمل. ولهذا السبب، يجلس ربيع على الكرسي إزاء الطاولة وتقف لينا صانع بجانبه ممسكة الكتاب، بتخلٍّ كامل عن أي تمثيل (طرح الأسلبة جانباً).
خلف الشاشة ثمة كاميرا ستصور »الممثلة« لينا صانع ما ان تصير وراءها، ثم تبث هذه الكاميرا صورها الى كاميرا أخرى خلف الجمهور، تبث هذه الأخيرة صورها المعكوسة الى الشاشة التي تواجه الجمهور. وسيكون هناك فارق ثانية واحدة، بين الكاميراتين، وبالتالي يصح القول اننا لن نشاهد تمثيلاً مسرحياً، بل تمثيلاً تصويرياً. سنشاهد فيديو ـــ مسرحاً، إذا صح التعبير.
من هذا الالتباس في نوع التمثيل سيذهب العرض الى التباس آخر في المشهد. فلينا صانع التي تبدو عبر الشاشة وكأنها تواجه الجمهور وتخاطبه، هي بالحقيقة تدير ظهرها له وتحدق في الكاميرا. ومن هذه الخدعة البسيطة نستنتج انتفاء الشرط المسرحي (التمثيل المباشر). وبتمعن في دور »البروجكتورات« المنصوبة على نحو ظاهر عند الطرفين الأماميين للخشبة، بمواجهة بعضها بعضاً تقريباً، ننتبه انها تصنع ظلالاً لجسم لينا الواقفة في منتصف المسرح خلف الشاشة، معكوسة على الطرفين الأماميين للمسرح وتماماً خلف »البروجكتورات«. وفي هكذا وضعية سيرى المشاهدون فقط صورة لينا في الوسط وظلالها عند حواف الخشبة. وهذا يتم فقط عند الاداء و»التمثيل«. لكن ما إن تخرج لينا من وراء الشاشة، حتى يتم التخلي عن الأداء وتغيب الصورة، وتنكسر الظلال. أما الايهام المسرحي الوحيد في العرض، فهو الايحاء بأن ما يجري عند الطاولة والكرسي هو خارج مساحة العرض أما ماهية العرض، فهي الصدمة، أو بالأحرى هي الاختراق المقلق لحدود السياسي ـــ الأخلاقي ـــ الجمالي. فالعرض هو أن تمسك لينا بالكتاب الموضوع على الطاولة وتغمض عينيها ثم تفتحه على أي صفحة عشوائية فيطالعها اسم فنان ورقم الصفحة. ووفق رقم الصفحة يحدد ربيع مروة مدة الثواني المتاحة للينا أن تروي خلالها (وراء الشاشة دائماً) عمل ذاك الفنان.
وعلى هذا المنوال تذهب وتجيء لينا صانع، راوية سلسلة من الأعمال الفنية المازوشية، الدموية، ذات الطابع الجنسي والتشريحي والانتحاري... وبلغة بذيئة تماماً وبورنوغرافية، فاضحة وفاحشة الى أقصى الحدود. ودوماً يتم دمج تواريخ وقوع الأعمال الفنية (المؤرخة فعلاً في فهارس الفن الحدثي والمباشر Happening, Environnement)، مع تواريخ متطابقة للأحداث السياسية والعسكرية ويوميات الحروب في الشرق الأوسط. فتتوازى البورنوغرافيا (بمعناها الواسع) الفنية، مع بورنوغرافيا السياسة والحرب. هذا التوازي يسقط في النهاية على الجسم الواحد في فعل تدميري ماحق.
وإذا ما وقع انتقاء لينا صانع على صورة في الكتاب وليس على نص، تذهب بها الى الكاميرا لنشاهدها، فيقوم ربيع مروة ليقف أمام الشاشة راوياً قصة حسن مأمون (ربما قاصداً قصة الموظف الذي قتل زملاء عمله قبل ثلاث سنوات في بيروت). إنها أيضاً قصة قتل جماعي يختلط فيها الدافع الطائفي والمالي والنفسي (وهي في المحصّلة دوافع كاذبة) لكنها تختزن ذاكرة بورنوغرافيا الحرب كلها وبذاءتها السياسية وفضائحية مازوشيتها.
وإذا كانت الأعمال الفنية التي ترويها لينا صانع هي فعل فاحش يضمر موقفاً أخلاقياً ـــ سياسياً يائساً، وإذا كان عمل حسن مأمون الذي يرويه ربيع مروة هو فعل سياسي يضمر مخيلة بورنوغرافية فنية، فهذا التوازي بين أداء لينا ومروياتها خلف الشاشة، وأداء مروة وروايته أمام الشاشة، يرسم خطين متقاطعين من الالتباس الأصلي ما بين السياسة والفن والأخلاق. يضاف الى ذلك التباس في الشكل: أهو عرض بذيء، أم أن البذاءة هي موضوع العرض. والحفاظ على هذا الالتباس هو ما ينقذ العمل من أن يتحوّل الى »خطابة« سياسية أو أخلاقية.
وعلى الرغم من صدمة هذه اللغة الشديدة البذاءة والايحاء العنيف، الفاحش، بكل ما هو دموي وجنسي وقذر... بلا مواربة، فإن الدهشة كانت بجهوزية الجمهور في بيروت لتقبل هذا العمل من دون أي تحفظ أو استهجان. انه جمهور بات مستعداً لاستدراك »الجمالية« القابعة خلف كل هذا »التسفيل« اللغوي.
وبلا تردد نقول ان ربيع مروة ولينا صانع، أنجزا لحظة تاريخية في مسار المسرح اللبناني: لقد صعدت البورنوغرافيا (كموضوع ولغة وليس كفعل) الى المنصة.
يوسف بزي
keywords: