هل حقاً يكرهون "ثورة الأرز"؟ | babelmed
هل حقاً يكرهون "ثورة الأرز"؟ Print
babelmed   
  هل حقاً يكرهون "ثورة الأرز"؟ | babelmed وهي، كمعظم الشابات والشبان السوريين، صادقة جداً في قولها ومشاعرها، ومن الصعب ان تنتبه إلى أن قولها »نحن واللبنانيون شعب واحد« (وفي دولتين ـــ حافظ الأسد) قد يثير نفوراً لدى لبنانيين كثر، أو إلى أن كلامها يستدعي تحفظاً وحذراً، أو ان تفطن إلى كون جملتها هذه تضمر خطاباً ايديولوجياً وسياسياً ينكر استقلال لبنان و»انفصاله« دولة وشعباً عن سوريا. فهي لا تنتبه أصلاً إلى أن كلامها هذا يردده حرفياً ملايين الشعب السوري بلا كلل، واستنساخاً عن كلام رئيسهم »إلى الأبد«، وان هذا الترداد المتواصل يعزز الافتراض بغياب الرأي الشخصي، والمخالف، عن مطلق مواطن في سوريا، وان هذا من سمات سوفياتية وتوتاليتارية بائسة.
لا يخطر ببال الشابة السورية أن ما تعتبره بديهياً وطبيعياً في أقوالها البريئة عن حب لبنان، هو في المحصلة السياسية تهديد لاستقلال لبنان وسيادته، وامتداد لسياسة سورية قديمة ومستمرة تنكر على أهل لبنان اختلافهم وتمايزهم وارادتهم الحرة وتجربتهم السياسية الخاصة بهم.
الشابة السورية الجميلة واليافعة، كانت بريئة فعلاً في تعبيرها هذا، وهي تقف أمام الكاميرا متأنقة، مبتسمة بابتهاج وحماسة، وهي تشارك رفاقها ورفيقاتها في اعتصامهم الشبابي الوطني والاحتجاجي، ضد الضغوط الدولية المفروضة على دولتها. مع ذلك كانت في اعتصامها السياسي وتصريحها المتلفز إذ تردد شعارات الاعتصام وأقوال اليافطات المرفوعة، تندفع هي ورفاقها إلى الكاميرا لا لتشجب قراراً دولياً، وانما لتخاطب »احباءَها« اللبنانيين. فهي تلقائياً كانت تعرف أن الأزمة هي في انقطاع الود السياسي بين اللبنانيين والسوريين. وأمام الكاميرا كانت فرصتها لا لتجيب عن أسئلة الاعلامي حامل الميكروفون مع الكاميرا، ولا لتوضّح مناسبة الاعتصام، ولكن لكي ترسل رسالة إلى أهل لبنان الذين صدموها هي وأقرانها في الأشهر الثلاثة المنصرمة ما بين منتصف شباط وأواخر نيسان من هذا العام، بشعاراتهم المنادية بخروج سوريا من لبنان، وبأفعال عنصرية صدرت عنهم، وضغينة قوية تجاه الدولة السورية وأجهزتها، وتبرم صارخ من كل رموز »الاحتلال« السوري واشكاله ومفاعيله. كانت صدمتها مما جرى في لبنان تجعلها تقريباً غير مصدقة ولا تريد، كما أغلب مواطنيها، أن تقر بخطايا مميتة وجروح غائرة وايذاءات عميقة، وقعت على الجسد اللبناني (المعشوق) بيد الدولة السورية ونظامها البعثي، فلا بد وأن »مؤامرة صهيونية أو امبريالية أميركية« هي السبب. فهكذا جواب وهكذا نظرية يبدوان معقولين لأجيال متعاقبة تمّ تلقينها بأن كل سوء يصيبهم إنما مصدره تلك المؤامرة.
الشبان والشابات السوريون، الذين التاعوا من هول الصدمة اللبنانية، لم يدركوا أيضاً ان اتهام اسرائىل وأميركا وفرنسا بما حصل بين لبنان ودولتهم، هو أيضاً يضمر إهانة للبنانيين بل ويضمر خطاباً سياسياً سورياً بأن لبنان الديموقراطي هذا مشكوك بعروبته وهو على استعداد دائم للعمالة لاسرائيل وللاستعمار. أي انهم حتى في سعيهم لتبرئة اللبنانيين من أسباب الجفاء والخلاف يذهبون إلى اتهامهم بما هو أنكى وأشد، أي ليس فقط بالعمالة أو بالانقياد وراء مخطط تآمري، ولكن ايضاً انكارهم لوجود ارادة لبنانية حرة واستكثارهم على اللبنانيين حق الاختلاف وحق الخصوصية.
الشباب السوري الذي يود مخاطبة اللبنانيين واظهار محبته لهم، كان بالحماسة نفسها يشارك في الاعتصام التضامني مع حكومته. وربما مرد ذلك إلى ان هؤلاء الشباب لديهم شعور كحاملين للجنسية السورية بأنهم يشاطرون دولتهم قسطاً من وطأة الاتهام الثقيل بقتل الرئيس رفيق الحريري وبما ظهر من آثار وأعمال مخابراتهم وضباطهم وجيشهم وسياسييهم على لبنان طوال عقود ثلاثة على الأقل...
هؤلاء الشبان رغم وعيهم السياسي المعادي للغرب وولائهم الظاهر لحكم البعث، شباب يماشون الموضة، على الأقل وفق ما تشيعه التلفزيونات اللبنانية، ونخبتهم تمارس متعة التسوق في بيروت،، وتقتنص الفرص للسهر في المقاصف والحانات اللبنانية. وهم إجمالاً يقبلون على كل سلع الثقافة الغربية وادواتها ويجهدون لأن يفرضوا انماط حياة خبروها أو شاهدوها خارج عاصمتهم ويدركون مثولها وجريانها في بيروت القريبة، ويكتنزون في ذاكرتهم ما يعرفه أهلهم وكبارهم عن »خصائص« العيش في لبنان وعاصمته، ويسعون ألاّ تكون بلادهم بعيدة عن المثالات التي ينحازون إليها ويتقربون منها محاكاة وتقليداً واكتساباً وابتكاراً... وبهذا المعنى كان هؤلاء الشبان الممتلئون حيوية وطموحاً في مشهدهم التلفزيوني واعتصامهم السياسي ممزقي المشاعر بين ولائهم لبلدهم وعلمهم، وحبهم لما يمثله لبنان لهم.
بدا حبهم، بعد ما جرى في التظاهرات اللبنانية، مخدوعاً. بل وكأن هذا الحب كان دوماً من طرف واحد، على ما لمّح ـــ بغيظ وسخط ـــ رئيسهم الشاب في خطابيه »التاريخيين«. لم يدرك هؤلاء ان دولتهم ايضاً كانت »تحب« لبنان حقاً. ذاك الحب الثقيل والدبق والخانق والمطبق على الأنفاس. وربما لم يعرف الشباب السوري أن دولتهم كانت تتملكها مشاعر الغيرة على لبنان، مثلهم، ولكن إلى حد الهوس بالتملك والسيطرة والتذويب.
بهذا المعنى كانوا في اعتصامهم المتلفز، اذ يعبرون عن حبهم للبنان، رافضين »التدخل الأجنبي« ربما كانت ترتبك دواخلهم قليلاً حين ينتبهون لفكرة قد تنتابهم بغتة: ان عطفهم على لبنان وعطف مواطنهم رجل الاستخبارات رستم غزالي (مثالاً لا حصراً) على اللبنانيين لربما كان مصدره ومؤداه واحداً: بعثي، ديكتاتوري، تسلطي.
وهم إذ يودون بكل جوارحهم أن تكون دولتهم على حق، لم يكن بودهم كذلك أن يكون لبنان على خطأ. فما يثقل عليهم حقاً أن تتلاقى مساعي دولتهم لـ»الاحتفاظ« بلبنان وصاية واحتلالاً، مع سعيهم الأكيد للحفاظ على صلاتهم التخييلية والتهويمية والفعلية بلبنان الصورة ولبنان الحداثة ولبنان اللهو والخفة ولبنان الحرية، إلخ. فهذا التلاقي المحرج بين إرادة »بعثنة« لبنان ونمذجته سورياً من قبل النظام من جهة، والرغبة في التشبه بـ»ليبرالية« لبنان ونشازه من قبل الشباب السوري من جهة ثانية، يزيد من الالتباس في معنى هذا الحب السوري للبنان ويزيد من التخوف اللبناني إزاء الاصرار على مشاعر الأخوة الفائضة.
هذا الالتباس تبدى بجلاء في التأثر السوري بتظاهرات لبنان وانتفاضته الاستقلالية، فعلى الرغم من كل مشاعر الصدمة والاحراج والاهانة، كان الاعجاب الشديد ماثلاً في عيون هؤلاء الشباب السوريين بأقرانهم اللبنانيين. إعجاب يصل الى حد الافتتان. وهذا ما يفتح الباب على سلوك التشبّه والتمثّل بالند والخصم.
فالشابات والشبان السوريون الذين خرجوا، بموافقة من حكومتهم وبتشجيع أكيد من أجهزتهم الأمنية، وبتدبير وتنظيم من قبل حزبهم الأوحد، لم يجدوا في أشكال احتجاجهم واعتصامهم سوى التماثل والتشبه بما فعله اللبنانيون حتى في اللحظة التي يعبّرون فيها ضمناً أو علناً عن رفضهم للسياسة الجديدة التي اختارها اللبنانيون وعن تنديدهم بخيارات اللبنانيين. لم يجد هؤلاء الشباب في ساحات دمشق سوى الأخذ بما ابتكره اللبنانيون في »ثورة الأرز« من أدوات وأساليب ولغة وتعبيرات شهدها العالم، خصوصاً في تظاهرة 14 آذار( أكثر من مليون ونصف المليون شخص) في ساحة الشهداء، او "ساحة الحرية" ببيروت .
كان الكثير من مثقفي لبنان ونشطائه السياسيين يتنبأون بأن عدوى 14 آذار ستصيب دمشق، وأن مشهد ساحة الحرية سيؤثر حتماً في وعي السوريين، وإن ما أصاب النظام السوري في بيروت سيصيبه بديهياً في دمشق، وان الترابط العضوي و»الاستراتيجي« بين العاصمتين (وعلى العكس من الرغبة البعثية) سيجعل من المشهد البيروتي حدثاً تغييرياً في قلب سوريا.
لكن هذا التنبؤ لم يصدق حتى الآن سوى على الصعيد الشكلي، والمفارق أن حدوثه الشكلي والظاهري الحاصل الآن تم ليس بمبادرة مدنية سورية، وإنما بتبنٍ من قبل النظام الحاكم نفسه. فهو إذ سيّر التظاهرات الضخمة في المدن السورية في يوم واحد ونظم الاعتصامات بدا متخلياً عن عادة التظاهرات التي كان ينظمها طوال خمسة عقود. فهذه التظاهرات، وللمرة الأولى، ليست احتشاداً لـ»جماهير العمال والفلاحين«، وليست على هيئة صفوف متراصة من مناضلين وكوادر سياسية وشبيبة ثورية وأعضاء فروع حزبية أو كتل عشائرية ومناطقية وأهلية. إنها أقرب لأن تكون مدينية ومدنية. ثم ان منظمي هذه التظاهرات لم يتورعوا عن أخذ شعار 14 آذار »لأجل لبنان« فيحولونه الى »لأجل سوريا« هكذا من دون أي محاولة لإخفاء المصدر، أو لتمويهه. وأيضاً وضعوا ملصقاً كبيراً على طول مبنى وكتبوا عليه »كلنا للوطن« تماماً كما هتف اللبنانيون بمطلع نشيدهم الوطني. لم يبذل أهل التظاهرات السورية أي جهد لابتكار شعار آخر. ثم ان الدولة السورية المفجوعة بقوة الصورة التلفزيونية اللبنانية سعت بدورها ان تجعل تظاهراتها متلفزة، وأن تضع شاشات عملاقة قرب مكان الحدث. وهي إذ رأت أن اللبنانيين المتفرقين أحزاباً وشيعاً وطوائف قد اتفقوا على طي أعلامهم الحزبية ورفع العلم اللبناني فقط، أمرت بدورها جماهيرها بأن لا ترفع إلا علم الدولة دون العلم البعثي، ولما انتبهت أن اللبنانيين تأكيداً على اجتماعهم رغم كثرة تحزباتهم رفعوا في مناسبات أخرى أعلامهم الكثيرة، عادت الدولة السورية وشجعت التكثير من الأعلام المتنوعة، فظهرت من بين الحشود السورية أعلام حزبية (وهي للمفارقة لبنانية: الحزب القومي وحزب الله). وأيضاً لمّا كانت سمة التظاهرات اللبنانية فيض الاعلام والرايات، جعلوا من تظاهراتهم أيضاً فائضة ومليئة بالرايات.
وإذ تخلت الدولة السورية عن الأسلوب الكيم إيل سونغي في التحشيد والاستعراض، آخذة بالشكل اللبناني الذي تبلور منذ شباط الماضي، جعلت المشهد شبابياً وطلابياً، يتجمعون ويعتصمون بـ»عفوية« وأيضاً يضيئون الشموع ويفترشون الأرض. وهؤلاء بدوا مختلفي السحنة عن الذين اعتدنا رؤيتهم في التظاهرات السورية القديمة. فهؤلاء ليسوا الجماهير الكادحة، بل فتيان وفتيات على صورة أقرانهم اللبنانيين لباساً واختلاطاً وموضة وقبعات وتي ـــ شيرتات وأناقة وافرة.
ومن ظواهر التشبه والتماثل مع أكثر أشكال التعبير السياسي اللبناني »إيذاء« للنظام السوري. عمد هذا النظام الى تقليد خيمة الاعتصام، فنصب بدوره واحدة في ساحة دمشقية، ورغم بغضه وحقده على ما فعله اللبنانيون في ربيع بيروت، لم يستطع إخفاء إعجابه بهذه الأفعال، فكان عليه أيضاً أن يشجع طلاب الجامعات على صوغ العرائض الضخمة لتواقيع كثيرة توضع تحت عدسة الكاميرات التلفزيونية فيما يتوافد عليها الطلاب كتابة وتوقيعاً.
كذلك وكي لا يتركوا أي أداة استعملها اللبنانيون من دون أن يقلدوها، استنسخوا من »المعارضة اللبنانية«، التي يمقتونها مقتاً شديداً، فكرة وضع الشال على الكتفين، فصنعوا واحداً سورياً ووزعوه على المشاركين في اعتصاماتهم الأخيرة.
لم يرفع السوريون نظير »كلنا للوطن« مثلاً شعار »سوريا حبيبتي« (مطلع نشيدهم الوطني) بل استعانوا بمطلع النشيد اللبناني. لم يُعملوا مخيلتهم لابتداع أدوات تعبير خاصة بهم. ولم يبذلوا جهداً أو تفكيراً في التمايز عن اللبنانيين. وهذا ليس فقط تماهياً أو تقليداً، وليس فقط ناتجاً عن أن البعثية التي استنفدت صورها مع تهافت النموذج الصدامي والسوفياتي والكوري الشمالي قاصرة عن تجديد نفسها. ولا هو ناتج عن زمن مديد من الديكتاتورية القمعية القاتلة للمخيلة الحرة... بل على الأرجح هو متأت من قناعة سورية عميقة أن لا فرق بينها وبين لبنان، طالما أن هذا الأخير ليس دولة غريبة ولا شعباً آخر، بل هو الحبيب الممتلك الذي لا فكاك له ولا انفصال. وإن كل ما لدى لبنان هو لسوريا حتماً.
يوسف بزي
keywords: