الحرب التي لا نحبّ أن نراها عن بعد | babelmed
الحرب التي لا نحبّ أن نراها عن بعد Print
babelmed   
  الحرب التي لا نحبّ أن نراها عن بعد | babelmed الخارجون من الصالة التي تعرض فيلم >معارك حب< لم يتبادلوا كلاماً نقدياً (سينمائياً) حول ما شاهدوه• قالت امرأة في منتصف عشريناتها إنه >يقفل القلب<، قاصدة ربما جو الحرب المنقول كما هو، بزعرانها وقصفها العشوائي وساعات العيش الطويلة في ملاجئها• آخرون، ممن هم أكثر خبرة بالحرب، تبعاً لأعمارهم التي نافت عن الأربعين، وربما عن الخمسين، أحجموا أيضاً عن التعليق على فنية الفيلم أو سينمائيته• أحدهم قال كلاماً قليلاً عن هيئة الممثلة الكهلة لودي عربيد، في لحظات قيامها من السرير لتهيئ نفسها للنزول إلى الملجأ• كان وجهها متغضناً وشاحباً إلى حد ان بدت كأنها تقوم من الموت لا من النوم• وكانت فيه قوة مشهدية حدت بالقائل ذاك إلى أن يضيف أن تلك اللقطة كانت ستقوي حتى فيلماً أجنبياً• هناك أيضاً فتاة الثانية عشرة التي نكاد نرى، نحن المشاهدين، بعينيها ما يجري في المبنى الذي تعيش فيه، وما يجري في الشارع أيضاً• ثم هناك سهام، الخادمة، الساعية وحدها إلى الحياة والتي تظهر لنا في أوضاع وصور وأحلام تتبدل لتخرجها من نمطية الشخصيات الأخرى جميعها• ذاك انهم يظلون جميعاً على سمتهم الواحد: العمة إيفون المتكبرة القاسية والمقامرة ؛ الزوجة الحامل تظل على توترها وبكائها حتى آخر الفيلم؛ شبان الحرب الذين لا يغيرهم شيء؛ حتى الزوج الذي يُقتل في آخر الفيلم لا يغيّر موته شيئاً في من حوله، يظل هؤلاء كما هم، على هيئاتهم ذاتها• حتى هو نفسه يبدو كما لو أن الموت لم يمكّنه من تغيير صورته في أعين مشاهديه• لم يترك ذلك الموت أي وقع درامي حقيقي ولم يفلح حدوثه في أخذ الفيلم إلى انعطافة النهاية، تلك التي سينتقل فيها الجميع إلى أحوالهم الجديدة• هذا مع أن المخرجة دانييل عربيد أعدت لتلك الانعطافة حفل عزاء طويل• كان الجميع، كلهم، هناك، في مكان العزاء، جالسين على المقاعد أو مصافحين بعضهم بعضاً• ثم هناك التابوت الذي أخرج من دون رهبة• ذلك المشهد الطويل، الذي ربما رأت المخرجة ان مناسبته (الموت) واحتشاد الممثلين فيه، وطقسيته، تضعه، بصرياً، في مصاف مختلف عن المصاف السردي العادي، ذلك المشهد، رغم كل ذلك، لم يبد جديداً لمشاهديه• لقد سبق لهم أن رأوه في افلام ربما كان آخرها ذلك الشريط الذي أدى بطولته الممثل ربيع مروة• إنه، مشهد المعزين بالموت، مشهد مألوف في السينما اللبنانية• مألوف ايضاً مشهد احتشاد الناس في الملجأ، وما يزيد من عاديته اقتران ظهوره في السينما بكل كلام شفهي يتداوله اللبنانيون كلما تذكروا الحرب• وفي السينما، في ما عرض لنا منها، بدا السباب والشتم على ألسنة المقاتلين وزعران الأحياء لازمة لرسم جو الحرب• ومثل ذلك أصوات القذائف••• الخ• لم تأت دانييل عربيد بجديد في رسمها لإطار الحرب الذي عاشت فيه تلك الأسرة المتسعة• ذلك الإطار نعرفه، حياتياً وسينمائياً إلى حد أننا نفكر أننا نتذكره في وقت ما نكون نشاهده• حتى مشهد الكلب الذي أُردي برصاصة أعادنا إلى مشهد الحصان الذي أُطلق عليه الرصاص في أحد أفلام مارون بغدادي• لقد استدعيت الحرب في مألوفها وعاديتها، مرة أخرى، في فيلم >معارك حب<• صورة السنوات الخمس عشرة كأنها ارتسمت ارتساماً نهائياً في أذهان المقبلين على تذكرها أو استعادتها• إن اراد أحد أن يضيف على ذلك الارتسام شيئاً، فلن يتعدى ذلك إدخال عناصر قليلة متفرقة على لوحتها• في فيلم دانييل عربيد تمثل ذلك في فتاة الإثني عشر عاماً، وفي الخادمة الساعية إلى الخروج من الجمود والخوف بأثمان غير محسوبة• أما الآخرون، المقامر وزوجته والكاهن وسواهم فلا يحتاج اختراعهم إلى تفكير طويل• كأنها لوحة لم تترك لنا إلا فراغات قليلة لنملأها• وهذه اللوحة تبدو غير قابلة للتجدد، فالفيلم النازل حديثاً إلى الصالات، والمنتج حديثاً طبعاً، يبدو كما لو أنه أنتج في السنتين اللتين أعقبتا انتهاء الحرب، 1991 و2991 مثلاً• أو أنه انتج في إبانها• لم تغيّر السنوات الخمس عشرة شيئاً في النظرة إلى الحرب• كأننا، فيما نحن نشاهد الفيلم، ما نزال هناك، في سينما ذلك الحين• السنوات الفاصلة هذه، بين 1991 والآن، لم توسع المخيلة، ولم تبدّل النظر إلى ما حدث في زمن الحرب القاسي• ولا أحسب أن ذلك يتعلق فقط بدانييل عربيد وبفيلمها، بل باللبنانيين عامة الذين لم يتمكنوا من تطوير أفكارهم حول زمن محنتهم ذاك• لا نقرأ ولا نشاهد ما يجعلنا نشعر بأن المسافة المتباعدة يلازمها تبدل الرؤية• هناك زمن ما جرى اقفاله بكل ما فيه، بأحداثه ورموزه ووطأته وبالأفكار المتعلقة به• في أحيان نرد ذلك إلى أن السنوات الفاصلة عن ذلك الزمن أبقتنا عند حده، لا نكاد نشعر بأن الخطوة التي نخطوها إلى خارجه حاسمة قاطعة• في أحيان أخرى نفكر أن الخروج من الحرب خروج منها، من مسرحها الزماني، وحتى المكاني، إلى خارجها، أي إلى خارج حياتنا التي ما زالت تحمل آثاراً وندوباً منها• الحرب هي هذه إذن، المشاهد والأصوات التي اتفقنا عليها• إننا إزاء رسم واحد للميليشيات ولضحاياهم، كما للسيارات التي تعبر الشوارع الخالية، كما للأبنية المشوهة المثقبة بالرصاص، تلك الأبنية التي رحنا نفكّر أي جهد بذلته دانييل عربيد حتى عثرت عليها• كان ينبغي لذلك أن يُترك في حي أو زقاق غير مستصلح ما دمنا في حاجة إليه، للسينما خصوصاً، تلك حاجة ضرورية للتحصّن من التغيرات التي تجري من حولنا والتي نتأخر عنها غالباً• ربما كان قدر الكتابة والسينما أن يرجعا إلى حقب انقضت• ذلك يعفي من فهم الحاضر المعقد الملتبس المتداخلة أطرافه بأطرافه• عندنا في لبنان طغت حقبة على تاريخنا كله فصارت، إذ نروح نؤّرخ لعيشنا، نبدأ من هناك ، من تلك الكتلة الواحدة التي اسمها الحرب• كلنا نرجع إليها• الذين عاشوها لا يستطيعون مبارحتها، في كتابتهم وفي أفلامهم• الذين أدركوها، لصغر أعمارهم فيها، لهم عودتهم هم أيضاً• أحسب أن الفتاة ابنة الثانية عشرة في الفيلم هي دانييل عربيد نفسها• لم تترك لنا عربيد ما يدل إلى ذلك• لكننا، في اليوم الذي تلا حضورنا الفيلم، رحنا نهتدي إلى تلك الصلة• ذلك أفضل للفيلم، صرنا نقول إذ أن الاهتداء إلى ذلك قد يجعل شخصيات الفيلم أقرب وأحداثه ألصق بحياة بشر حقيقيين• ثم أننا، إن صح ذلك، نكون إزاء شهادة شخصية، لا إزاء رؤية، أو اقتراح رؤية للحرب• في ما يتعلق بالشهادات نميل إلى أن نكون أقل نقدية، ليس لفيلم >معارك حب< وحده، بل لكل نظرة منا إلى ماضينا الثقيل ذاك• حسن داوود
keywords: