دوار شاتيلا | babelmed
دوار شاتيلا Print
babelmed   
  دوار شاتيلا | babelmed على نحو ما يشرح القائد الميداني أرض المعركة وخطط المواجهة، برسم ارتجالي، عسكري وخرائطي، يبدأ فيلم ماهر أبي سمرا »دوار شاتيلا«، بشرح مختصر ومكثّف لجغرافية وتاريخ المخيم الفلسطيني الذي أنشئ عام 1949 بطول كيلومتر واحد وعرض 600 متر. شاشة سوداء، تبدأ الخطوط والإشارات والكلمات والأرقام بالظهور عليها، ككتابة بخط اليد، فيما صوت ماهر أبي سمرا المرافق للكتابة والرسم يتلو التوضيحات ويسرد الوقائع.
هذا وحده، ليس إلا مقدمة الفيلم، لا بدايته. مع ذلك فإن هاتين الدقيقتين من المقدمة السابقة لبدء بث الصور، والتي يمكن القول إنها خارطة إرشادية لـ»الموقع« الجغرافي الضئيل (موضوع الفيلم)، سردتا سيرة نصف قرن من التاريخين الفلسطيني واللبناني. سيرة »شرق أوسطية« إذا صح التعبير، حيث يكفي أن تأخذ عدة أمتار مربعة، أو تلقي نظرة على أحد الأحياء على طرف مدينة، أو تراقب تجمعاً سكانياً، لكي تقول، أو تصوّر، كل ما عصف ويعصف حتى اليوم بهذه البلاد الشاسعة.
هاتان الدقيقتان أزاحتا عن الفيلم عبء مهمة سرد سيرة المخيم، أو رواية ذاكرته، ما أتاح لرغبة المخرج أبي سمرا أن يتحرر من أثقال السرد والرواية والتاريخ، ويباشر من فور بدء الفيلم لغة سينمائية محضة، ولصيقة بزمن التصوير وراهنيته فحسب.
الفيلم هو عبارة عن »تصوير« بكاميرا تتجول في مساحة 150 متراً من الشارع الرئيسي للمخيم، ومن الطابق الأول لمبنى مستشفى غزة. وطوال مدة الفيلم (52 دقيقة) »تعيش« الكاميرا ليل المخيم ونهاره. وربما يصح القول إن الكاميرا هنا »تعاشر« سكان هذا الشارع. تجلس معهم، تحادثهم، تتمشى معهم، تصمت معهم، تضجر مثلهم، تستريح، تتبرم، تلهو.. إلخ. لكنها أبداً لا تتلصص أو تقتحم أو تتسلط. حتى أن المرأة التي أبدت امتعاضاً من زوار المخيم الأجانب وكاميراتهم وهم يقفون في الباحة قرب باب منزلها كانت تقول امتعاضها أمام كاميرا أبي سمرا، وكأنها تحادث شخصاً من أهلها أو جيرانها. لقد جعلت هذه المرأة كاميرا أبي سمرا مختلفة عن الكاميرات، أو أنه هو نفسه المخرج أوهم سكان المخيم أن تصويره إياهم ليس على سبيل جعلهم موضوعاً، بل هو استئناف لعلاقة يومية اعتيادية فحسب. ربما قضى وقتاً في المخيم قبل التصوير ما يكفي لنزع سمة »الأجنبية« عن الكاميرا، حتى باتت مألوفة على النحو الذي رأيناه في »دوار شاتيلا« إذ الناس الذين يظهرون أمام الكاميرا يتركون الى الحد الذي يستطيعونه كل تمثيل أو أسلبة أو انتباه، ومن دون أن ينصرفوا عنها. هذا يجعلنا واقعين قليلاً في الحيرة إزاء استعداد الناس هناك، الذين يعيشون شروط المخيم، ليبذلوا يومياتهم كاملة أمام آلة التصوير، هم الذين يستريبون من كل غريب ودخيل وأجنبي، المحاصرون قسراً في هذه البقعة الضئيلة.
على الرغم من كل الاكتظاظ السكاني والانحياز التصويري لما هو بشري، يمكن القول إن الفيلم هو شريط صور للجدران والحوائط. بل أن الجدران هي »بطلة« الفيلم. وكما مقدمة الفيلم الخرائطية: أرقام وأسهم وكلمات مخطوطة باليد، كذلك الجدران التي تلتقطها الكاميرا تحمل أرقاماً وأسهماً كتلك التي يرسمها مهندسو المساحات ومهندسو البنى التحتية. تلك العلامات الغامضة التي »تحاصر« أهل المخيم، هم الذين لا يكنهون معناها، جعلها ماهر أبي سمرا متصلة، ضمنياً، مع خريطته الجغرافية ـــ التاريخية. هكذا، كأنها إشارات غيبية، تنبؤية، لمستقبل سيرة هذا المخيم وناسه. ما من قصص في »دوار شاتيلا«، فقط كسور حكايات وشظايا يوميات واعترافات مبتورة، ونتف ذكريات، فيما الكاميرا التاركة للحيل، كمستمع صبور، كمن يخجل من حشريته، تلتقط بحنو مجريات الكلام والأفعال.
ينحاز ماهر أبي سمرا الى نوع سينمائي جديد، لا يصنف نفسه في »التسجيلي« أو »الوثائقي«، وبطبيعة الحال ليس »درامياً«.. هو ما اصطلح عليه باسم »سينما الواقع«. وهذا موضع التباس سببه ما يسمى بـ» تلفزيون الواقع«. فالتجربة التلفزيونية في هذا المجال، كبرنامج »الأخ الأكبر«، و»لوفت ستوري« الواقعيين بامتياز، ليسا في نهاية المطاف سوى نفي عنيد للواقع، المخاتل أبداً وعند حافة الوهم باستمرار. فكل محاولة للقبض عليه تنقلب اصطناعاً له.
سينما أبي سمرا »الواقعية«، تتحقق أولاً بإهمال عقلاني للفن. والابتعاد عن الفنية هنا، يتيح لكاميرته أن تتحرك أو تثبت، وفق شروط »المعاشرة« لا شروط »التصوير«. ثم إن العشوائية المتعمّدة في الانتقال من مشهد الى آخر، ومن كسور حكاية الى مشهد مفاجئ، ومن زاوية نظر الى زاوية أخرى.. تفسح للمخرج بالمجال لعدم الاستسلام لشروط »السياق الروائي«، أي للشروط الفنية في السرد. هذا هو معلم تلك الواقعية، أي إخفاء كل أسلوب والتخلي عن المنهجية. الإخفاء والتخلي هذا هما »الطريقة« لإلغاء المسافة بين التصوير والموضوع. أما الفارق بين واقعية الفيديو المنزلي مثلاً وفيلم »دوار شاتيلا« فهو انتفاء العفوية، وقوة الإخراج أو حضورها المسيطر تصويراً ومونتاجاً.
المخيم بحسب »دوار شاتيلا«، يتحول الى حفرة مسورة، وفي داخلها غابة من الجدران، كأنها تتكاثر يومياً. وفي هذه الحفرة ـــ المتاهة من الغرف والحوائط والزواريب والأبواب، يبدو الناس فاقدين لقدرتهم على التمييز بين ما هو داخل وما هو خارج، طالما أن بيوتهم مندلقة على الشارع، وطالما أن هذا الأخير ليس سوى امتداد لغرفهم. بل أن التمييز المعتاد للأمكنة ينتفي هنا. فالوظيفة التي تجعل الدكان دكاناً والشارع شارعاً والبيت بيتاً، تختفي كلياً لتصير كلها عبارة عن خليط عمراني غير قابل للتعيين لا هندسة ولا عيشاً. وهذا الاجتراح العمراني بات معروفاً بوصفه »امتياز« مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
السكان العالقون هنا، هم بدورهم، كعمرانهم، يخلطون الأزمنة والحكايات والأعمال والمواقيت ويتعذر عليهم مثلاً الفصل بين أزياء النوم والراحة المنزلية وأزياء الخروج الى الشارع، أو أنهم لا يجدون فارقاً بين الرصيف والصالون لتناول القهوة أو لعب الورق.
لذا، ينتبه ماهر أبي سمرا، الى »بطولة« الكرسي أيضاً. فإلى جانب ثيمة الجدار والعلامات الغامضة البارزة عليه، هناك دوماً الكرسي عند مدخل البيت، عند مدخل الدكان، في الشارع، ويتناوبون عليه، بلا هدف، ومن غير قصد. الكراسي هنا وهناك ينثرها أهل المخيم لتكون أغلب الأوقات »هدفاً« أو مهمة، ينجزون الجلوس عليها، طالما أنها جزء من أعمال التبطّل المجبرون عليها. الجلوس على الكرسي في »دوار شاتيلا« هو الفاصلة الإيقاعية المتكررة التي يعتادها المرء المقيم في المخيم كوسيلة لترتيب نهاره وليله، كي ينتظم توهانه على الأرجح.
شاب مفتون بجسده نصف العاري، وبشعره وجماله الإغريقي، وبقوة عضلاته وبالأوشام الكثيرة التي تزيّن صدره وزنديه وظهره. يستعرض وشم ظهره، تنين كبير ملتف ومتوثب، ويقول: الذي وشمني أنجز الرسم ومات. من دون أن يضيف شيئاً ولا يبدي حسرة أو حزناً. هذا الشاب العاطل عن العمل لا يأتي بشيء سوى البقاء في الشارع يعاكس الصبية ومن هم بعمره. لا يشتكي كثيراً ويترك الكاميرا، لتصوره معتداً بنفسه ، متفاخراً، مستعرضاً. لا مأساة كبيرة أو تراجيديات تبحث عنها كاميرا أبي سمرا. حتى عندما تروي إمرأتان ما تتذكرانه من حرب المخيمات وكيف تدبرتا دفن شقيق إحداهما، كانتا ترويان بخفة وبضحكات واستهجان، فيما هما تفرمان بسكّينين كبيرين رؤوس البندورة الحمراء. بدا أن الدراما ليست في الحكاية القاسية والعنيفة بل في هذا »الفرم« مع السكين الكبيرة اللامعة.
اللغة والأحاديث المتبادلة بين الناس، كما تظهر في الفيلم، هي أيضاً غير قابلة للتعيين، أو لا تنبثق من وظيفة قول ولا تتجه الى معنى متحقق. هي أيضاً خليط عشوائي، وتطلع كومضات مبتورة سريعة الانطفاء. يتكلم أحدهم مع رفاقه، كأنه يقلّد سياسياً يتلو تصريحاً أمام الصحافة. آخرون يقع كلامهم هكذا كأصوات لا تطيق الصمت، حتى الزجّال ( الشاعر الشعبي) الذي جعله أبي سمرا واقفاً في العتمة مغيباً هيئته وملامحه، نسمعه يتلو كلاماً كأنه يخرج ليس من فمه، بل من مذياع قديم. ثم إن المرأة الواقفة مع الواقفين مساء أمام الدكان، أخذت فجأة تحدثهم ليس عن ذكرياتها أيام المجزرة، بل عن اللعبة ـــ الدمية التي جلبها لها أبوها حين كانت صغيرة، وأنها لا تزال تحلم بها وتبحث عنها في واجهات المحلات. الدمية التي تقول إن الإسرائيليين سرقوها من منزلها باتت هكذا كناية عن حياتها كلها الموقوفة ذات طفولة. هي أيضاً كانت تروي وتضحك، تقول حكايتها لتسامر أصاحبها وجيرانها من غير أن تطلب منهم تعاطفاً.
في المقابل، لا تذهب كاميرا أبي سمرا الى أكثر ما يعطيه إياها سكان الشارع، متخلية عن أي طمع، قامعة غريزة الفضح والكشف عن المستور. هذا الاكتفاء أو التهذيب، يجعل »دوار شاتيلا« من مشاهديه متنازلين عن سياحيتهم، وأكثر ارتباكاً.

* عرض الفيلم في مهرجان »سينما الواقع« في شهر آذار المنصرم ضمن عروض »المنتخبات العالمية« في مركز جورج بومبيدو (باريس).
كما عرض الفيلم، لأول مرة في لبنان، يوم الجمعة 29 نيسان 2005 في مخيم شاتيلا
يوسف بزي
keywords: