نساء لبنان لا يتركن التظاهرات تسير من دونه | babelmed
نساء لبنان لا يتركن التظاهرات تسير من دونه Print
babelmed   
  نساء لبنان لا يتركن التظاهرات تسير من دونه | babelmed من مفاجآت نزول اللبنانيين الى تظاهرات المعارضة، وتحويلهم ساحة الشهداء الى »ساحة الحرية«، أن الفتيات والطالبات والموظفات وسيدات البيوت كن بارادتهن فرادى وجماعات وحلقات.. مشتركات في التظاهر على سوية واحدة مع الذكور من رجال وشبان، ان لم يطغين احياناً على الصورة والمشهد وفي العدد.
ومنذ التظاهرة الأولى، بدا ان الإناث عددهن غفير وكثير وهن أتين من غير حسبان منظمي التظاهرات لهن، وعلى نحو غير متوقع. كما أن حماستهن وظهورهن القوي بدا مفارقاً لتاريخ التظاهرات التي غالباً ما كانت حزبية او نقابية أو »شعبية«، تستنكف النسوة والفتيات، تقليدياً، عن التورط فيها.
ويوم تشييع الشهيد الرئيس رفيق الحريري، خرجت سيدات بيروت، كما لم يفعلن من قبل، من الأحياء الراقية أو الأحياء الشعبية. السكرتيرات والطبيبات وربات البيوت والتلميذات والموظفات وصاحبات المهن الحرة وحتى الفنانات الشهيرات وعارضات الأزياء والمثقفات... الخ، كلهن اندفعن الى الشارع والمسير تحت وطأة مشاعر الفجيعة والغضب.
منذ ذلك اليوم، كبيرات السن وصغيراته لا يتأخرن عن الحضور والتواجد، في مسيرات الشموع، في زيارة الضريح اليومية، في الاعتصامات، في التظاهرات الكبرى، في رسم الصور والرموز بلوحات بشرية، في الوقوف على المنبر، في صنع الشعارات واليافطات وحمل الاعلام، واعلاء الهتافات، أو ابتكارها.
فكان لهذا الحضور الأنثوي وقع المفاجأة والصدمة على حد سواء. إذ بدا، على أقل تقدير، تحولاً سياسياً »خطيراً« في قلب المجتمع اللبناني، فالتردد أو حتى الابتعاد والمجانبة كان دائماً يشكل موقف النساء والفتيات من العمل السياسي أكان ذلك في أشكال التظاهر والتعبيرات الشعبية أو في أشكال العمل السياسي المنظم. وهذا التغير الدراماتيكي في »الموقف« النسائي، الذي لم يحسب له أحد ولم يتوقعه لا المعارضون ولا المناوئون ولا »الموالون« ولا المراقبون، يمكن إعتباره أهم »الانجازات« السياسية التي أتت بها المعارضة (على غفلة منها أغلب الظن).
بمعنى آخر، حدث تحول إجتماعي بالغ الأهمية، تجاوز من فور حدوثه تاريخ الغربة بين المرأة اللبنانية والسياسة، وتجاوز في تقدميته كل مشاريع »الكوتا« النسائية في التمثيل السياسي التي كانت مطروحة بحياء وخفر قبل أشهر عدة فقط.
بل من شدة الصدمة، لم يتوان بعض »الموالين« الممتعضين في المعارضة اللبنانية وتحركاتها، عن الشتم والحط من »أخلاق« أولئك المعتصمين في »ساحة الحرية«، آخذاً عليهم هذا الاختلاط بين الفتيات الكثيرات والشبان، غامزاً من معنى »ساحة الحرية«، مستهجناً على الإناث حريتهن. وقد وصل الأمر بهؤلاء المناوئين ان خصص الكثير من تصريحاته لمدح »الرجولة« والذكورية اللتين تسمان حزبيته (المسلحة) ناعتاً متظاهري المعارضة بــ »المخنثين«، ومستهزئاً بالحضور الأنثوي الطاغي في تجمعات المعارضة. وأيضاً خصصت بعض تظاهرات »الموالين« يافطات تعلن سخريتها من »خنوثة« المعارضة فتصف شبانها وفتياتها بأنهم »فوفو« و»نونو«.
هذا التعارض السياسي بين ما يسمى »الموالاة« و»المعارضة« دلل أيضاً على تعارض اجتماعي وثقافي عميق يتخطى السياسة بأشواط. فالموالاة تستند على ميراث »عروبي« قومي وإرث عسكريتاري ـــ ميليشياوي يعلي من شأن الذكورية المتضخمة بذاكرتها الاغتصابية، فيما المعارضة تبدو طالعة من تاريخ »التجربة اللبنانية« في الحداثة، وفي الديموقراطية، وفي اختبار المدنية واجتماعياتها.
يوم 27 آذار، ومن ضمن »ابتكارات« المعارضة التي لا تنضب على ما يبدو، كانت التظاهرة المخصصة للنساء حصراً، بمناديلهن البيضاء، اعلاناً كاملاً عن القوة السياسية الناشئة للمرأة اللبنانية، واعترافاً »رسمياً« من قبل القوى المعارضة اللبنانية بوصفها شريكاً على قدم المساواة في التمثيل والحضور. وهذا أتى، على كل حال، لا من خيال المعارضة ولا من تمنياتها، بل بفعل الاصرار النسائي على المشاركة والعمل.
وعلى عادة »الموالاة« في التأخر ثم في المجاراة، اضطر القائمون بشؤون تظاهراتها وتجمعاتها الى الأخذ بهذه الظاهرة والانتباه اليها، فعمدوا في التظاهرة الأخيرة في عوكر، أمام السفارة الأميركية، الى »تحشيد« النساء والفتيات، والتخفيف من الصورة التي انطبعت عليها تظاهراتهم سابقاً، أي تلك التي يطغى عليها حضور القبضات والسحن المقاتلة و»الشرسة« و»المستنفرة« للحرب والمنازلة.
قد تكون قصة ماريا هبري، الثرية البيروتية، نموذجاً لــ»انتفاضة النساء الاستقلالية«. فهذه السيدة ذات المستوى التعليمي الجامعي والتي تملك محلاً لبيع الأعمال الفنية وترميم الآثار، اصابها حزن عميق وصدمة هائلة يوم مقتل الرئيس الحريري فاتصلت بابنها الذي يتابع دراسته في أميركا لتقول له »لا تعود الى لبنان... في هذا البلد يقتلون الحلم«، هي التي كانت أصلاً معارضة لسفره وهجرته.
لكنها في يوم التشييع »انتفضت« (بكل ما في الكلمة من معنى) وقررت المبادرة الى العمل، فاتصلت بكل الشباب الجامعيين من أصدقاء ابنها لتشكل جمعية تقوم بعمل وحيد: توزيع العلم اللبناني والترويج لفكرة ان يزين اللبنانيون شرفاتهم بهذا العلم.
هذه المبادرة الفردية ـــ النسائية إنسجمت تلقائياً مع الارادة الجمعية للنسوة اللبنانيات، فلم تكن استثناء أو عملاً نافلاً، ودلت مرة أخرى على القوة الكامنة التي انبثقت من المجتمع المدني اللبناني وأعطت زخماً غير متوقع للمعارضة.
ومن غير المبالغة القول ان القوة المعنوية والاخلاقية للمعارضة تتبدى في رمزية وجهين: الوجه الحزين الصامت للسيدة نازك الحريري (الزوجة)، والوجه الحزين الغاضب للسيدة بهية الحريري (الاخت). فتبدل حال وجه السيدة نازك من البشاشة والرقة الى الانكسار التراجيدي، وتبدل حال وجه السيدة بهية من الطمأنينة والوقار الى اللوعة والغضب، دلاّ بتكثيف تعبيري عن تحول حال النسوة اللبنانيات اللواتي انتفضن بارادتهن (بلا إيعاز أو دعوة) ونزلنا الى الشارع والعمل المباشر، ليتغير المشهد السياسي وتتغير صورة التظاهر والحشود في آن واحد.
النائب بهية الحريري، المسلمة السنية، الناشطة في الحقول التربوية والاجتماعية، وهي سفيرة الارادات الطيبة مدى الحياة لمنظمة اليونسكو (لبنان)، باتت اليوم المرشحة المفضلة شعبياً لرئاسة الحكومة، ما بعد الاستقلال الثاني، ولو من دون ارادتها أو رغبتها. وهذا الترشيح العفوي والتلقائي تجاوز تلقائياً أقصى الطموحات السياسية للمرأة اللبنانية. فبعد خطابها المؤثر والحاسم في البرلمان اللبناني في الجلسة التاريخية التي أسقطت الحكومة، ثم بعد خطابها القوي في يوم 14 آذار الذي رفع خطاب المعارضة الى مصاف البرنامج الوطني الجامع، بدت النائب بهية الحريري وكأن الفجيعة انضجت فيها شروط الزعامة السياسية. نساء لبنان لا يتركن التظاهرات تسير من دونه | babelmed من دمعة مكتومة تداريها بطرف ابهامها، وبحة ساحرة تطلع من رقبة رخامية، برزت غنوة جلول، الفتية، الصلبة، الجريئة كركن من أركان المعارضة. استاذة العلوم التكنولوجية في الجامعة الأميركية والنائب عن بيروت منذ العام،2000 الآتية من سيدني (استراليا) وأم لثلاثة أولاد، كانت رمزاً لجيل الشباب المتعلم الآخذ بشروط العولمة وتقنياتها وأفكارها، والذي راهن عليه الرئيس الحريري بوجه الميليشياويين من جهة وبوجه السياسيين التقليديين من جهة ثانية. فهذه الشابة/الانثى اسقطت الرئيس سليم الحص في الانتخابات، وهي اليوم باتت الصوت العالي، والمحرضة والمقتحمة والمواجهة.
قلائل هم الذين يدركون ان مقومات »صمود« المعتصمين في »ساحة الحرية« وشروط الاعداد والتنظيم والمتابعة والدعم »اللوجستي« لتجمعات وتظاهرات المعارضة كانت تعتمد بالمقام الأول على النشاط المحموم والخبرة الذكية والادارة الدقيقة للسيدة نورا جنبلاط، الواقفة دوماً خلف الكواليس وعلى هامش الحشود، وخارج الصورة، تعمل على مدار الساعة وبارهاق متواصل من أجل »رفاهية« الشباب والشابات: الطعام، المياه، الحمامات المتنقلة، الاكسسوارات، الاعلام، اليافطات، وسائل النقل، البوسترات، المناشير، المطبوعات، وحتى معجون الأسنان أو الأغطية، أو التجهيزات السمعية والبصرية الخ.
السيدة نورا، ابنة وزير الدفاع السوري (عام 1940) أحمد الشراباتي، من أم ليتوانية، الرسامة »سراً«، مديرة مهرجانات بيت الدين، صاحبة غاليري (50*70) لعرض الأعمال التشكيلية، رفيقة وزوجة »الزعيم« وليد جنبلاط، هي اليوم الوجه النسائي الأقل بروزاً والشديد الفعالية في »ساحة الحرية«.
هناك لوبي نسائي في هذا المجال يتألف، اضافة الى السيدة نورا، من زوجة الوزير السابق بهيج طبارة، السيدة هدى، وأيضاً ندى باسم السبع، وطبيبة التخدير سمر جبور خوري زوجة النائب غطاس خوري. فهؤلاء السيدات يشكلن العصب الداعم والمنظم للتظاهرات المليونية، سيدات أظهرن قدرات فائقة على الادارة والعمل الجماعي المنظم.
تبدو نائلة معوض، »أرملة« الرئيس المغدور رينيه معوض، في أغلب الأحيان، الأشد حماسة والأعتق في المعارضة. ذكاء يتفوق على فقر لغتها العربية، وآراء حادة ومقنعة تبدو ملهمة لمبدئية المعارضة اللبنانية. نائب مشاكسة، (منذ العام 1991)، ذات تجربة في العمل الصحافي (جريدة الأوريان 1963 ــ 1965) الآتية من زغرتا، مستقلة على الدوام، استقلالية النزعة باستمرار. مرشحة محتملة لرئاسة الجمهورية، بطموح سياسي ثابت. إمرأة صلبة، تتمتع بحس السخرية والفكاهة، وسعة البديهة، مع رغبة لا تستكين للتحدي والمبارزة. ولهذا السبب، هي من القلة المعروفة بين اعضاء »قرنة شهوان« الكثر. وحضورها، بلا شك، في المعارضة وعلى المنابر ووسط التظاهرات، غالباً ما يفعل فعل الاستنفار والحمية. وهي من أوائل النسوة اللواتي أعطين اللون الأنثوي الذي ميز المعارضة.
ستريدا طوق جعجع، التي لم تهنأ بزواجها من سمير جعجع (1990) المأخوذ الى السجن بعيد اقترانه بها بفترة وجيزة، والحاملة لديبلوم في العلوم السياسية، تتنكب اليوم عملياً »قيادة« شبان وشابات »القوات اللبنانية« المنخرطين في صفوف المعارضة كقوة وازنة وثقيلة.
ملكة الجمال المنتخبة ذات يوم من ثمانينات القرن المنصرم في منتجع »الرمال«، الشابة المولودة في بلاد الاغتراب، غانا ،1967 الكئيبة والأنيقة دوماً، وبعد سنوات من الرتابة والانتظار والطلات السياسية الخافتة والخجولة، نشطت في الآونة الأخيرة كواحدة من سيدات السياسة.
انها »بنيلوب« لبنان، إذا صح التعبير، وسواء خرج سمير جعجع، ام لا من سجنه باتت ستريدا جعجع ممثلة لمحور سياسي قد يترجم نفسه انتخابياً في وقت قريب.
من أولى »المفجوعات« بالاغتيال السياسي، تظهر صولانج الجميل. في آذار عام 1977 تتزوج الشابة الجميلة، الشقراء صولانج توتنجي الناشطة في حزب الكتائب من الشاب القوي بشير الجميل وأولى الصدمات القاسية ستتلقاها باغتيال طفلتها البكر عام 1980.
وفي أيلول 1982 تتلقى السيدة صولانج، الأم الثكلى صدمة جديدة باغتيال زوجها الرئيس المنتخب. الفاجعتان تحولان الأرملة الشابة بعد انزواء في الحزن والألم، الى إمرأة صلبة، تداوم على المؤسسة التي انشأتها باسم بشير الجميل. امرأة عنيدة، تحت عنوان »ليبقى بشير حياً فينا«. لا تحتمل المساومات، وعلى الرغم من احاطتها بمجموعة من المستشارين، فهي قليلة الظهور وتنفر غريزياً من الاحتراف السياسي. لكنها منذ 14 شباط، تخلت تقريباً عن كل تحفظاتها، فهي تدأب على المشاركة في الشارع وفي اللقاءات، وأحياناً برفقة ابنها نديم، عاملة على توفير الإمكانيات والمساعدة لتجمعات الشباب اللبناني المعارض.
سيدات لبنان، اليائسات، الحزينات، المفجوعات، بتن اليوم حاضنات للأمل، صانعات للبهاء والاناقة ومصدر قوة وغضب.
صبايا لبنان الفاتنات هن ملكات الجمال والعارضات والفنانات والطالبات المتحررات، المزهوات باجسادهن ايضاً، المحتفلات بغوايتهن.. ها هن يأخذن السياسة الى ما لم تعتده عين عربية ولم تتخيله عقول العروبة و»النشامى« ولم تتوقعه »نخبنا« السياسية والثقافية.
انهن »معجزة« لبنان الجديدة. نساء لبنان لا يتركن التظاهرات تسير من دونه | babelmed يوسف بزي
keywords: