نرى الصحف قديمة إذا نظرنا إلى الصحون اللاق | babelmed
نرى الصحف قديمة إذا نظرنا إلى الصحون اللاق Print
babelmed   
  نرى الصحف قديمة إذا نظرنا إلى الصحون اللاق | babelmed صحيفة "الغد" الصادرة حديثاً في عمان أقامت مبنى خاصاً بها، مكتمل التجهيز من الخارج، كما من الداخل حيث جرى تقطيع الغرف والقاعات بالزجاج، فبدا كل من الطوابق غرفة متسعة مترامية. إنه مبنى حديث لصحيفة، لا يقلّ تنظيماً وتأثيثاً عن الصحف العالمية الكبرى. المطبعة أقيمت هناك أيضاً، فخمة ونظيفة ويمكن الاشراف على عملها من غرفة آلات تصوير الأفلام، الضخمة والحديثة هي أيضاً. بدا لنا، ونحن نزور أقسام الصحيفة وطوابقها، أننا بتنا في زمن الصحافة العربي الجديد، وهذا لا تدلّ عليه صحيفة "الغد" وحدها، بل تدل عليه أيضاً صحف ومؤسسات إعلام عدة يتتالى تأسيسها في البلدان العربية. بات القيّمون على هذه المشاريع يدركون أننا لم نعد في الزمن الذي كان يمكن للصحف أن تبدأ بالصدور من طابق واحد أو طابقين في مبنى، كما لم يعد ممكناً إصدار صحف بأقل القليل من الأجهزة. ذلك كان ممكناً في زمن سابق، حيث كان الإقدام على إصدار صحيفة عمليةً تتسم بالخطر والمجازفة، حيث الطموح متجاوز للإمكانات. الآن تبدأ الصحف من رأس مالها الضخم الذي هو البند الأول في مشروع إقامتها. لأن كل شيء ينبغي أن يبدأ كاملاً. كل شيء يجب أن يبدأ عملاقاً، وهذا يتعلق أكثر بمشاريع المحطات التلفزيونية التي لم يعد إنشاؤها ممكناً إلا بتمويل الدول لها أو الرساميل التي تكاد تقارب ميزانيات وزارات إعلامها. في صحيفة "الغد" التي زرناها في عمّان، كان كل شيء جديداً ونظيفاً وكاملاً، وفيما نحن نتجوّل بين أنحائها رحنا نقول ان كل شيء هنا بات جاهزاً لتبدأ الصحافة، كأننا، في وقت ما كانت هذه الصحيفة قد بدأت فعلاً بالصدور، كنا نحسّ بأن ما حولنا ينتظر إعطاء إشارة الانطلاق لبدء صدورها.
والصحيفة الجديدة هذه أطلقت لقرائها ما يمكن اعتباره مبدأها: "بلا قناع، بل بالإقناع"، كتبت على منشوراتها الاعلانية التي رحنا نشاهدها كبيرة عند تقاطع الشوارع في عمان. وقد بدا لنا ذلك الشعار أشبه باستعادة، أو تكرار، لإنشاء إعلامي، أو إعلاني، عربي يعرض واضعوه أن رفعهم له لا يتعلق برغبة رافعيه وحدها. "الحقيقة كل الحقيقة"، كان الشعار الذي رفعته صحيفة، أو صحف، أخرى. أحد الصحافيين السابقين أعطى لنفسه اسماً نظن أنه، لكثرة شيوعه وشيوع ما يشابهه، اسماً لصحافيين كثيرين. "القلم الصريح" ذاك، لم نعد نعرف من صاحبه الحقيقي، صاحبه الأول.

والجميع يعرفون أن تلك الصراحة أو الحقيقة المرفوعتان، مع شعارات أخرى من طبيعتهما، لا تتعديان كونهما زعماً، أو على الأكثر وعداً بإظهار قدر من الشجاعة هو أبعد قليلاً من الممكن المسموح به. ذاك أننا، في وقت ما رحنا نقرأ الكتيّب الذي أعيد إصداره للصحافي رامز سركيس، وكان قد كتبه عن تجربته الصحافية في ظل رقابة مندوب السلطنة العثمانية آنذاك، رحنا نقول لبعضنا بعضاً أنه أصاب زماننا أيضاً. ذاك أن أساليب تحايله على الرقابة تلك، وتلاعبه بالكلام، ورد الحقائق إلى المجازات، وتحويل الوقائع إلى حكايات تجري على ألسنة من هم غير أصحابها (على غرار إجراء الحكايات على ألسنة الحيوان في كليلة ودمنة مثلاً)، كل ذلك الذي وصفه بدا زماننا الصحافي، بعد انقضاء مئة عام، غير بعيد عنه كلياً.

كأننا، في وقتنا الجديد هذا، نرى تأسيساً لمشاريع صحافية وإعلامية لتكون جاهزة لحظة أن يصدر القرار العربي بإعطاء الصحافة حريتها، تلك التي تبدو السلطات العربية مهتمة بأخبارها الآن بما يكاد يوازي اهتمامها بتطبيق سياساتها. أما الآن فتكتفي الصحافة "الحرة" بأن يقتصر تخطيها للصحافة الرسمية، تلك التي تموّلها الدول وتشرف على تعيين مسؤولي تحريرها، على هامش التنويع وابتداع أفكار لتحقيقات توهم باتساع الحيّز الذي تتناوله. ذاك أن تجاوز الاعلام الرسمي ممكن دائماً ما دام أن عدد اليوم هو نسخة مستلحقة عن عدد الأمس. دائماً هناك الصورة الرسمية التي تتصدر الصفحة الأولى، ودائماً يجري البحث عن أبرز نشاط الرئيس لهذا اليوم ليكون عنوان هذه الصفحة. في ورشة العمل التحضيرية التي دعا إليها برنامج الأمم المتحدة الانمائي، والتي انعقدت في عمّان يومي 9 و10 نيسان الحالي، تضمنت اقتراحات النقاش باباً بتصل بالتداول حول إمكان قيام "إعلام عام ومستقل في الدول العربية". فعلى الرغم من أن وسائل الاعلام العامة في بلدان الغرب تتلقى تمويلاً عاماً، غير أنها مستقلة عن سيطرة الحكومات وتأثيراتها. ما دعت ورشة العمل إلى نقاشه، إضافة إلى أبواب خمسة أخرى، هو احتمال قيام إعلام عربي عام ومستقل معاً. أي أن يكون مموّلاً من المال العام ومستقلاً عن المسلك السياسي لأركان الدولة. عند بدء النقاش في هذا الباب بدا لي كما لو أن المدعوين إليه ذهبوا في طموحهم إلى أبعد حد ممكن، متجاوزين كثيراً مجال الاصلاحات التي، هي أيضاً، يقع تحقيقها في باب الطموح. "أن يكون الاعلام العام (وليس الاعلام الرسمي) على شاكلة إذاعة البي. بي. سي، أو إذاعة لندن مثلاً"، قال أحد المشاركين موضحاً وهذا ما جعلني، مرة أخرى، أفكر بتلك الاذاعة (إذاعة لندن) التي، في كل يوم أسمع نشرات أخبارها، أروح أسائل نفسي لماذا تدفع الحكومة البريطانية مالاً لا يفيدها إنفاقه. كان قد سبق لي في سنوات ماضية أن سألت أحد العاملين القدامى في القسم العربي ب هذه الاذاعة عما تستفيده بريطانيا منها. لم يكن يملك جواباً جاهزاً، إلا أنه بعد تفكير قال لي انها تستفيد من برنامج تعلم الانكليزية، مهتدياً هكذا إلى نوع استفادة يسهل علينا فهمه، نحن الذين اعتدنا أن نرى الاعلام العربي يؤدي وظيفته في الاعلان عن نجاحات سياسات دوله ومشاريعها أداء مباشراً، أي صارفاً النظر عن التمويه والتجميل والمداورة. من ذلك الصورة الرسمية على الصفحات الأولى وخبر الرئيس الأول مفتتحاً مصنعاً، أو مستقبلاً أحداً أو مصدراً قراراً.
وقد خطر لي أن فكرة قيام إعلام عام (مموّل من ميزانية الدولة العامة) ومستقل في وقت واحد، هي مما يصعب كثيراً تحقيقه. ذاك أنه يصعب استخلاص الاعلام من القطاعات الأخرى المندمجة فيه والذي هو مظهر من مظاهرها، في الوقت الذي يكاد يجري التسليم فيه بأن مال الدولة هو للدولة حصراً، وأن جهة استعماله أولاً هي لتنفق الدولة على نفسها، يبدو في غاية التعذُّر وإفراد الاعلام الذي، حتى في قطاعه الخاص، تصرّ الدولة على تقييده، من دون القطاعات الخاصة الأخرى الجالبة للرساميل.

إنشاء إعلام عام ومستقل في الوقت نفسه طموح مزدوج إذن وليس طموحاً مفرداً. بدا لي كما لو أنه يمكن أن يكون آخر الخطوات وليس باباً من الأبواب المطروحة معاً للنقاش. فالعام، في ما خص الصحافة والاعلام، استولى على الخاص واعتبره قطاعاً من قطاعاته. ربما ينبغي التركيز على تخصيص الاعلام الخاص، ذلك الذي، لكثرة ما أخضع للرقابات على أنواعها، الذاتية منها وغير الذاتية، يبدو كما لو أنه ما زال باقياً هناك، في مطرحه القديم وراء القطاعات الأخرى التي تتقدّم، بدل أن يكون أمامها مثلما ينبغي له.
كأنه ما زال موجوداً في جدول أعمال قديم لم تغيّر دول الرقابات بنوده. ما زالت الممنوعات قريبة مما عدّده رامز سركيس منذ نحو مئة سنة. يبدو الأمر وكأن المراقبين لم يتسع وقتهم بعد لتغيير طريقة عملهم، أو كأن واحدهم لم يصعد إلى سطح إحدى البنايات، في أي من المدن العربية، ليشاهد الصحون اللاقطة تغطي سطوح البنايات وشرفاتها ، رادة الصحافة والصحف إلى زمن ما قبل زمننا الأخير هذا. حسن داوود
keywords: