يصعب أن نتخيل عجلةً تدور دون ان تدفعها يداه | babelmed
يصعب أن نتخيل عجلةً تدور دون ان تدفعها يداه Print
babelmed   
  يصعب أن نتخيل عجلةً تدور دون ان تدفعها يداه | babelmed بعدم التصديق، أو بعدم القدرة على استيعاب فقدان كاملاً، ذلك الذي ينتاب من أصيبوا بفقد واحد من الأهل، الأبناء أو الاخوة أو الأهل أنفسهم، هو الذي يميّز الشعور بموت رفيق الحريري. قالت لي زميلتنا رندة، التي يقع مكتبها بجوار مكتبنا في الطابق الرابع، انها لا تستطيع أن تتخيل بيروت خالية من وجوده. بدا لي، فيما هي تعبّر عن ذلك، كما لو أن النهار الذي يظهر من شباك نافذتها العريض، ليس كاملاً، على رغم ضوء شمسه الساطع والنظيف، في يوم 15 شباط هذا. ذلك يسمونه صدمة، ان يشعر الشخص منا بأنه غير قادر على استيعاب ما جرى كاملاً. وهو يشبه ما يقوله علماء الطبيعة حين يصفون كيف ان الزلزال، حين يحدث، يكون يطلق اصواتاً لا نسمعها نحن لقصور أسماعنا عن تلقيها. ذلك ليس كلاماً في السياسة الذي قد يؤوّل أو يترجم على الفور بصيغة هي: هل من بديل لغياب الحريري. انه كلام شخصي، احساسي أو
حواسي، وإن كان مشتركاً بين كثيرين اتصلوا بنا على الهاتف، أو زارونا في بيتنا، أو صادفناهم في فسح الوقت التي هي أخذنا لمصعد البناية الذي كان في
انتظاره جيران لنا في البناية، أو وقوفنا لنشتري الجرائد من المكتبة، أو لنعود الى شغلنا الذي كنا غادرناه بعد ساعة. كان الحاج ناصر يبكي على الدرج وكان زميل له محتضناً إياه يحاول مساعدته على نزوله. قال لي إذ وقع نظره عليّ: »هو جبل وهدّوه« كان عليّ أنا أن اجيبه بشيء، بواحدة من تلك الجمل المتلعثمة التي رحنا نقولها للناس من لحظة ما
تأكد ان الانفجار الذي استهدف موكب الحريري، قَتَلَهُ. لكنني، متلعثماً في قول الكلمتين أو الثلاث للحاج ناصر، كنت أفكر بأن عبارته هو تحمل قدراً من
الوصف والايجاز، بل والدقة، يصعب عليّ أن أقابله بمثله. ذاك انه نقل اليّ صورة الحريري جبلاً، بالمعنى المشهدي، الجسماني. أولاً، حيث خطرت لي قامته،
ومشيته التي تتحرك معها يداه كأنما لتثبتا المشية مثلما يثبت شيء جامد على الأرض. ذلك »الجبل«، تلك الكلمة أقصد، سريعاً ما يتردد عنها ما يشبه أن كون استعارات علم البيان، حيث لا يعود الجسم وحده جبلاً بل يصير جبلاً كل ما يُتخيّل متصلاً بوجود الحريري.
أو ربما كان ذلك النوع من الكلام، الذي منه ما قاله الحاج ناصر، مما يحسن وصف الحريري استقباله. ذاك انه، هو الحريري، ظل قريباً منه، من عاميّته أقصد، ومن الناس الذين يقولونه. سواه ممن أتيح لهم الانفصال عن أولئك الناس، عن عاميتهم، رأوا في ذلك سبقاً أو نجاحاً في تحقيق الطموح. يصير الواحد في الاعلى ناسياً يث كان في الأسفل. أو يصير في الأمام سعيداً في عدم حاجته للنظر الى الوراء. رفيق الحريري، وهذه واحدة من فرادته، أو فراداته، كان قادراً على أن يحتفظ بمراحله كلها فيه. انه يتصرف بنوع وفاء قديم، صرنا نقول حين نسمع انه تذكر استاذه الذي كان قد علمه في مدرسة صيدا فذهب اليه ليفيه جميله. أو حين نشاهد صورته يقبّل يد والدته. أو حين يكلم الناس كما يتكلم الناس. إذ يبقى هناك، أو يبقي نفسه هناك، يضعنا في امتحان على التخيل صعب، إذ يريد منا أن نجمع، في وجود رجل واحد، محليّته مع الناس وتلك الضخامة التي منها تنقله بين البلدان المصادق، أو المحاور، رؤسائها وملوكها. انها مسافة شاسعة بين حدّي رجل واحد. بين ما نفترض انه أوله وما نفترض أنه آخره. ذلك يشمل ايضاً الاختلافات داخل تلك المسافة، حيث ان ما ذهب الحريري الى آخره، ليس السياسة فقط بل الأعمال ايضاً. ليس السلطة وحدها، بل الثروة ايضاً.. هذا مما ينوّع طبعاً في عبير »الجبل« للحاج ناصر. لقد بقي هناك. أو أنه أبقى نفسه هناك، في الأوقات التي كان فيها مختلفاً عما صار إليه. كأنه جمع أزمنته كلها في شخصه. وهذا من الأمور الصعبة كما نعلم، نحن الذين يأخذنا إليه كل جديد يتحصل لنا. لقد أبقى فيه مثلاً الدافع لأن يسمع ما يقول الناس عنه، الناس الذين، وهم فرادى منفصلين عن كونهم جماعة، أو جمهوراً، يعرفون أن من تغيّرت أحواله لا يعود في مستطاعه الاستماع إليهم. وانه ربما وجد طريقاً ليخاطبهم فرداً فرداً فيما هو يخاطب مجموعهم. في المشاهد التي بثتها التلفزيونات، منقولة من خراب المكان الذي فُجّر فيه موكبه، أو من مدخل طوارئ المستشفى، أو من أمام منزله، في تلك المشاهد كنا نرى كيف أن النساء كن يبكينه مفجوعات، هكذا ثلما تفعل النساء، في الصور التي تتلو حدوث الانفجارات عادة، حين يكون بين ضحايا إبن لهنّ أو قريب. بل إننا ربما خطر لنا، عند شاهدتنا الصور الأولى، أنهن قريباته ومن أهله
أخذتهن الكاميرات وهنّ يتقدمن الى باب المستشفى أو الى باب المنزل، قاطعات المسافة بين الجموع. سبق لنا أن عرفنا ذلك القرب يصل بين من نفترض فيهم انفصالاً أو بعداً: في سنة 1970 حين كنا نشاهد على التلفزيونات وقع وفاة جمال عبدالناصر على المصريين، أو حين كنا نسير في تظاهرات التشييع التي كانت تجري هنا في بيروت. كان هناك، عند طرف الجنازة، رجل كهل يبكي بمفرده. وكانت نساء متفرقات، واقفات على جنبيّ موكب لجنازة، ينتحبن الانتحاب ذاته، ذاك الذي يُبذل لعزيز قريب. في يوم 14 شباط في بيروت، عدنا الى مشاهدة ذلك، مرة
أخرى. ذلك القرب الذي يصل بين متباعدين، والذي منه أيضاً أن يبكي فقراء الناس أغنياءهم. يبدو ذلك مضاداً لحاسة جمعية تضع هؤلاء وأولئك في مواجهة بعضهم بعضاً. في ما يتصل بيوم 14 شباط ذاك، شاهدنا أيضاً كيف أن ما يرى الناس فيه عداوة، ومنه المال والسلطة، لم يظهر كذلك أبداً. كيف سنتمكن من أن نرى بيروت من دونه، قالت الزميلة رندة التي كانت كأنها ستستأنف بكاء البارحة. أنا أيضاً، مثلها، يصعب عليّ تخيّل عجلة المدينة تدور من دون أن يكون هو هناك، يدفعها بيديه حسن داوود
keywords: